

قطر أصبحت نموذجاً عالمياً في السياسات الصديقة للأسرة
معهد الدوحة الدولي للأسرة: 20 مؤتمراً و60 دراسة لدعم السياسات الأسرية
الدراسات العالمية تؤكد أن الأسر في المجتمعات المتدينة أكثر تماسكًا
نسعى لإثبات أن الدول الإسلامية تحقق معدلات أعلى من رفاه الأسرة
«تنشئة» يرفع الوقت الأسري المشترك من 29% إلى 45%
دراسة: عدم التوافق النفسي السبب الأول للطلاق بنسبة 19%
أكدت الدكتورة شريفة العمادي، المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو مؤسسة قطر، أن الأسرة القطرية ما زالت تتمتع بدرجة عالية من التماسك والدعم، رغم التحديات المتسارعة المرتبطة بالتكنولوجيا وضغوط الحياة وتغير الأدوار داخل الأسرة.
وعبّرت الدكتورة شريفة في حوار مع «العرب» عن تفاؤلها بمستقبل الأسرة القطرية، في ظل وجود وعي متزايد بأهمية الأسرة واستثمار وطني واضح في السياسات والخدمات والبرامج الداعمة لها، مشيرة إلى أن الدراسات الحديثة تؤكد استمرار تمتع الأسرة القطرية بدرجة عالية من التماسك والدعم والرعاية والتفاعل الأسري الإيجابي.
وأوضحت أن مواصلة الاستثمار في التربية الوالدية والصحة النفسية والسياسات الصديقة للأسرة والتوازن بين العمل والأسرة، سيكون عاملاً رئيسياً في الحفاظ على هذا التماسك ومواجهة التحديات المرتبطة بالتكنولوجيا والتحولات الاجتماعية المتسارعة. كما أوضحت أن برنامج «تنشئة» نجح في رفع نسبة الأسر التي تقضي أكثر من 30 ساعة أسبوعياً معاً من 29% إلى 45%ـ مؤكدة أن المعهد يعمل حالياً على تطوير مؤشر لرفاه الأسرة وبرنامج عربي متكامل لتأهيل المقبلين على الزواج، إلى جانب دراسات تتعلق بالصحة النفسية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأسرة. ونوهت باستعدادات معهد الدوحة الدولي للأسرة لتنظيم مؤتمر «رفاه الأسرة: قياس ما يصنع الفارق» يومي 10 و11 أكتوبر المقبل، والذي يهدف إلى تطوير مؤشر أكثر شمولاً لقياس رفاه الأسرة في الدول العربية والإسلامية، بعيداً عن الاقتصار على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، عبر التركيز على جودة العلاقات الأسرية والتماسك والدعم والصحة النفسية والقيم وجودة الحياة، بما يسهم في دعم صناع القرار بسياسات أكثر استجابة لاحتياجات الأسر الواقعية.
وإلى نص الحوار:
ما أبرز المشروعات البحثية التي يعمل عليها معهد الدوحة الدولي للأسرة حالياً؟ وكيف ترتبط هذه الأبحاث بالتحولات الاجتماعية والتحديات التي تواجه الأسر في المنطقة؟
استكمالاً لجهود مؤسسة قطر الرامية إلى دعم البحث والسياسات المرتبطة بالأسرة والتنمية الاجتماعية، يركز معهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو مؤسسة قطر، حالياً على مجموعة من المشاريع البحثية التي تنطلق من سؤال أساسي: كيف نستطيع أن نفهم التحولات التي تمر بها الأسرة، ثم نحول هذا الفهم إلى سياسات وبرامج عملية تدعم الأسرة في واقعها اليومي وتساعد على تماسكها.
من أبرز هذه المسارات البحثية ملف رفاه الأسرة، من خلال العمل على تطوير مؤشر لقياس رفاه الأسرة بطريقة تراعي الخصوصية الثقافية والاجتماعية للمجتمعات العربية والإسلامية، ولا تكتفي بالمؤشرات الاقتصادية فقط، بل تنظر أيضاً إلى العلاقات داخل الأسرة، والتماسك، والدعم، والمعنى، والقيم، وجودة الحياة الأسرية.
كما يعمل المعهد على ملفات مرتبطة بتماسك الأسرة في قطر، ورفاه اليافعين، والتربية الوالدية، والتوازن بين العمل والأسرة، والعلاقات الزوجية والطلاق المبكر، والتكنولوجيا وتأثيرها على الأسرة واليافعين. وهذه كلها قضايا تعكس التحولات التي نراها اليوم: التحول الرقمي، وضغوط العمل، وتغير أدوار الوالدين، وارتفاع توقعات الشباب عن الزواج، وتحديات الصحة النفسية لدى الأطفال واليافعين.
ما يميز عمل المعهد أن البحث لا يبقى في الإطار الأكاديمي، بل يتحول إلى توصيات، وبرامج، وموجزات سياسات، وشراكات مع الجهات الوطنية والإقليمية والدولية. فهدفنا ليس فقط دراسة الأسرة، بل دعم صناع القرار بالأدلة التي تساعدهم على تطوير سياسات أكثر قرباً من احتياجات الأسر.
بعد أكثر من عقدين على تأسيس معهد الدوحة الدولي للأسرة، كيف تصفون تطور دوره من مركز بحثي إلى جهة مؤثرة في السياسات الأسرية إقليمياً ودولياً؟
منذ تأسيسه قبل عقدين، شهِد معهد الدوحة الدولي للأسرة تطوراً ملحوظًا في دوره، إذ لم يقتصر على إنتاج المعرفة حول قضايا الأسرة، بل أسهم في بناء نموذج متكامل يقوم على البحث، وتحويل الأدلة إلى سياسات، ثم المناصرة والتأثير وهذا التطور كان مهماً، لأن قضايا الأسرة لم تعد تُطرح كقضايا اجتماعية هامشية، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بالتنمية، والاستقرار المجتمعي، وجودة الحياة.
وعندما بدأ المعهد عمله، كانت فكرة المناصرة القائمة على الأدلة للسياسات الأسرية لا تزال جديدة نسبياً في قطر والمنطقة. فالمعهد لعب دوراً مهماً في ترسيخ فكرة أن الأسرة ليست مجرد مسؤولية اجتماعية خاصة، بل قضية تنموية تستحق أن تكون جزءاً من النقاشات والسياسات الوطنية، وأن القرارات المرتبطة بالأسرة يجب أن تُبنى على البحث العلمي والمعرفة، وليس فقط على الانطباعات العامة.
واليوم، لا يكتفي المعهد بإصدار الدراسات، بل يعمل على ترجمة نتائجها إلى مبادرات عملية، وموجزات سياسات، وشراكات مؤسسية، ومناصرة قائمة على الأدلة تدعم الأسرة وتعزز استقرارها وتماسكها. فنحن في المعهد نؤمن بأهمية دعم الأسرة المتماسكة، وتعزيز العلاقات الأسرية الصحية، ومناصرة السياسات الصديقة للأسرة التي تساعدها على أداء دورها الطبيعي في الرعاية والتنشئة والحماية.
وقد نجح المعهد في ترسيخ حضوره البحثي والمناصِر على المستويين الإقليمي والدولي؛ إذ نظم أكثر من 20 مؤتمراً دولياً وإقليمياً تناولت قضايا الأسرة والسياسات الاجتماعية، وشارك في أكثر من 55 منصة ومحفلاً دولياً لرفع صوت الأسرة في الأجندات العالمية. كما نشر أكثر من 60 دراسة وتقريراً بحثياً تناولت قضايا مثل التماسك الأسري، والزواج والطلاق، والتربية الوالدية، ورفاه الأطفال واليافعين، والتوازن بين العمل والأسرة، والسياسات السكانية، وغيرها من القضايا المرتبطة بتحولات الأسرة المعاصرة.
كما حرص المعهد على أن تكون مخرجاته البحثية ذات جودة علمية وتأثير دولي، حيث نُشرت بعض أعماله وإصداراته عبر منصات نشر أكاديمية عالمية مرموقة، إضافة إلى ذلك، يتمتع المعهد بصفة استشارية خاصة لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة (ECOSOC).
اتخذت الدولة العديد من المبادرات والسياسات لتعزيز التماسك الأسري، كيف انعكست هذه الجهود على الأسرة القطرية؟
وما أكثر السياسات التي ترون أنها أحدثت فرقاً ملموساً في حياة الأسر داخل قطر؟
ما يميز التجربة القطرية أن الأسرة موضوعة في صلب السياسات الاجتماعية، وليست مجرد ملف خدمي. وهذا يعكس رؤية وطنية تدرك أن الأسرة المتماسكة ليست شأناً اجتماعياً فحسب بل ركيزة للاستقرار والتنمية وجودة الحياة. لذلك شهدنا خلال السنوات الماضية تطوراً مهماً في المبادرات والسياسات المرتبطة بالتربية الوالدية، والتوازن بين العمل والأسرة، والصحة النفسية، ودعم الأطفال واليافعين، وتطوير الخدمات الأسرية.
ومن المهم الإشارة هنا إلى أن معهد الدوحة الدولي للأسرة كان من الجهات التي أسهمت، عبر البحث والمناصرة القائمة على الأدلة، في ترسيخ فكرة أن قضايا الأسرة تحتاج إلى أطر مؤسسية وسياسات متخصصة.
ومن السياسات التي أحدثت فرقاً ملموساً، أود الإشارة إلى السياسات الصديقة للأسرة وترتيبات العمل المرنة والعمل عن بُعد، لأنها تمس الحياة اليومية للأسرة مباشرة. فقد أظهرت أبحاث المعهد حول التوازن بين العمل والأسرة أن 8% فقط من القطريين العاملين استطاعوا تحقيق التوازن بين العمل والأسرة، كما بينت أن 65.1% من النساء القطريات شعرن بالإحباط أو الاكتئاب أو اليأس بسبب غياب سياسات داعمة لهذا التوازن. وقد تحولت هذه النتائج إلى موجزات سياسات قُدمت إلى جهات المعنية وأسهمت في دعم النقاش الوطني حول ترتيبات عمل أكثر مراعاة للأسرة، بما يعزز جودة الحياة الأسرية ويمنح الوالدين وقتاً أكبر للرعاية والتفاعل مع الأبناء.
كذلك، يمثل برنامج «تنشئة» بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي نموذجاً مهماً للسياسات الوقائية؛ لأنه لا ينتظر ظهور المشكلة، بل يعمل على تعزيز عوامل الحماية داخل الأسرة والمدرسة. وقد أظهرت نتائج البرنامج أثراً ملموساً في تعزيز الوقت النوعي والتواصل الأسري، حيث ارتفعت نسبة الأسر التي تقضي أكثر من 30 ساعة أسبوعياً معاً من 29% إلى 45% بعد التدخل.
كما أن تدشين مركز التربية الوالدية «كنف» يمثل خطوة وطنية نوعية في الانتقال من التعامل مع التحديات الأسرية بعد حدوثها إلى الوقاية المبكرة وبناء القدرات الوالدية وقد لعب معهد الدوحة الدولي للأسرة دوراً مهماً في بناء الأساس البحثي والمعرفي لهذا التوجه، من خلال دراساته حول التربية الوالدية، بالإضافة إلى برنامج الإرشاد النفسي والصحة السلوكية للابتعاث الخارجي الذي أطلقته وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي ضمن خطة الابتعاث الحكومي للعام الأكاديمي 2026–2027 لدراسة تخصص علم النفس الإكلينيكي بفروعه المختلفة، بما يشمل علم النفس الأسري والإرشادي.
ومن الخطوات المهمة أيضاً التي تعكس تطور البيئة الداعمة للأسرة، موافقة مجلس الوزراء مؤخراً على مشروع قانون بشأن تنظيم مزاولة المهن الاجتماعية، وهو تطور مهم لأنه يعزز الإطار المهني والتنظيمي للخدمات الاجتماعية والإرشادية التي تعتمد عليها الأسر، ويسهم في رفع جودة الدعم المقدّم للأفراد والأسر، خاصة في الجوانب النفسية والاجتماعية والأسرية.
وفي تقديري، ما يميز التجربة القطرية ليس فقط تعدد المبادرات، بل وجود رؤية متكاملة ترى أن الاستثمار في الأسرة هو استثمار في المجتمع كله. وعندما تُصمّم السياسات انطلاقاً من احتياجات الأسرة الواقعية، وبالاستناد إلى الأدلة البحثية، فإن أثرها لا ينعكس فقط على الأسرة نفسها، بل أيضاً على التماسك الاجتماعي والرفاه والاستقرار الوطني على المدى الطويل.
هل توجد إحصاءات أو مؤشرات حديثة ترصد واقع الزواج والطلاق في المجتمع القطري؟ وكيف تنظرون إلى تأثير الطلاق على الاستقرار الأسري والمجتمعي؟
الطلاق، خصوصاً في السنوات الأولى من الزواج، هو من القضايا التي تستدعي قراءة هادئة وعلمية، بعيداً عن اللوم أو التبسيط. فمن المهم أن ننظر إلى الأرقام ليس بهدف إثارة القلق، وإنما لفهم الأسباب الحقيقية وبناء حلول وقائية تعزز استقرار الأسرة.
في هذا السياق، أظهرت دراسة معهد الدوحة الدولي للأسرة حول «تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي»، والتي شملت 1184 مشاركاً من 19 دولة عربية، أن حالات الطلاق في قطر تحدث بصورة كبيرة في المراحل المبكرة من العلاقة الزوجية؛ حيث سجلت الدراسة أن نحو 46% من حالات الطلاق تحدث خلال السنة الأولى من الزواج، و22% خلال فترة الخطوبة، أي قبل الدخول. وهذه الأرقام تعكس أهمية الاستعداد للحياة الزوجية قبل الزواج، وليس فقط التركيز على ترتيبات الزواج أو الجوانب المادية.
والأهم من ذلك، أن الدراسة أوضحت أن السبب الرئيسي للطلاق لا يرتبط دائماً بالعوامل الاقتصادية كما يُعتقد، وإنما يرتبط أولاً بعدم الحوار والانسجام وعدم التوافق النفسي والفكري بين الزوجين بنسبة 19%، يليه اكتشاف جوانب غير متوقعة في شخصية الشريك بنسبة 14.5%، ثم أسباب مثل الخيانة، والمشكلات الاقتصادية، وتدخل الأهل. وهذا يعطينا مؤشراً واضحاً أن التحدي الأساسي يرتبط بدرجة كبيرة بالحوار، والتفاهم، وإدارة التوقعات، والاستعداد النفسي للحياة المشتركة قبل الزواج.
ومن هنا، ينظر المعهد إلى ملف الطلاق من منظور وقائي وتنموي، وليس فقط كظاهرة تحتاج إلى تدخل بعد وقوعها. لذلك، يؤكد على أهمية برامج التأهيل للمقبلين على الزواج بوصفها إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الاستقرار الأسري.
وفي هذا السياق، يعمل معهد الدوحة الدولي للأسرة حالياً على تطوير إطار وبرنامج متكامل للمقبلين على الزواج على مستوى الدول العربية، يستند إلى الأدلة العلمية وأفضل الممارسات الدولية والإقليمية، ويهدف إلى الانتقال من التوعية العامة إلى التأهيل العملي القائم على المهارات.
من خلال الدراسات التي يتابعها المعهد، ما أبرز التحديات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تواجه الشباب المقبلين على الزواج اليوم؟
يواجه الشباب المقبلون على الزواج اليوم واقعاً مختلفاً إلى حد كبير عن الأجيال السابقة؛ فهناك تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة أثرت على طريقة فهم الزواج، وتوقعاته، وأدوار الزوجين داخل الأسرة. ولذلك، فإن التحديات لم تعد مرتبطة فقط بالقدرة على الزواج، بل أيضاً بالاستعداد للحياة الزوجية والاستمرار فيها.
من الناحية الاقتصادية، لا تزال تكاليف الزواج، والسكن، ومتطلبات نمط الحياة، والضغوط المالية من أبرز التحديات التي تواجه الشباب. وتشير أبحاث المعهد، بما فيها دراسة «تصورات الشباب القطري حول الزواج السعيد والمستدام»، إلى أن عدم الاستقرار المالي وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسية للأسرة يعدان من المعوقات المهمة أمام الزواج المستقر، خصوصاً في ظل ارتفاع التوقعات الاجتماعية المرتبطة بحفلات الزواج، والسكن، ومستوى المعيشة، أحياناً بصورة تتجاوز الإمكانيات الواقعية.
لكن التحدي اليوم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل هناك أيضاً تحديات نفسية واجتماعية متزايدة. فنحن نلاحظ لدى بعض الشباب ميلاً إلى تأخير الزواج أو العزوف عنه، وتردداً في تحمل مسؤوليات الحياة الزوجية والأسرية، وهو أمر يرتبط أحياناً بالخوف من الالتزام طويل الأمد، أو ارتفاع سقف التوقعات، أو القلق من الفشل، أو التأثر بنماذج غير واقعية للعلاقات يتم تقديمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
كما تشير أبحاث المعهد إلى أن السنوات الأولى من الزواج هي المرحلة الأكثر حساسية؛ لأن الزوجين ينتقلان من مرحلة التصورات والتوقعات إلى الواقع اليومي للحياة المشتركة. وهنا تظهر تحديات مثل ضعف مهارات الحوار، وإدارة الخلاف، والتواصل العاطفي، واتخاذ القرار المشترك، وتوزيع الأدوار والمسؤوليات داخل الأسرة. وفي دراسة المعهد حول «تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي»، تبين أن عدم الانسجام وعدم التوافق النفسي والفكري بين الزوجين شكّل السبب الأول للطلاق بنسبة 19%، يليه اكتشاف جوانب غير متوقعة في شخصية الشريك بنسبة 14.5%، ما يعكس أهمية التوافق والاستعداد النفسي والمعرفي للحياة الزوجية قبل الإقدام عليها.
كما أن التحولات الاجتماعية غيّرت طبيعة الأدوار داخل الأسرة؛ فالمرأة اليوم أكثر تعليماً ومشاركة في سوق العمل، والرجل أيضاً يواجه ضغوطاً مهنية واقتصادية متزايدة. وإذا لم يكن هناك حوار واضح حول الأدوار والتوقعات والمسؤوليات المشتركة، فقد تنشأ فجوة بين ما يتوقعه كل طرف وما يعيشه فعلياً بعد الزواج.

كيف ينظر المعهد إلى أهمية برامج التأهيل للمقبلين على الزواج في تعزيز استقرار العلاقة الزوجية؟ وهل للمعهد إسهامات أو شراكات في هذا المجال؟
ينظر معهد الدوحة الدولي للأسرة إلى برامج التأهيل للمقبلين على الزواج باعتبارها إحدى أهم أدوات الوقاية الأسرية والاستثمار المبكر في استقرار الأسرة. فالزواج لا يحتاج فقط إلى النية الطيبة أو الاستعداد العاطفي، بل يحتاج أيضاً إلى مهارات عملية ومعرفة واقعية بطبيعة الحياة المشتركة؛ مثل التواصل الفعال، وإدارة الخلاف، والتخطيط المالي، وفهم الأدوار والمسؤوليات، والتعامل مع الأسر الممتدة، وبناء علاقة قائمة على الاحترام والتفاهم والمسؤولية المشتركة.
وأهمية هذه البرامج تكمن في أنها تنقل الشباب من مرحلة التصورات العامة عن الزواج إلى الاستعداد الواقعي للحياة الزوجية. فكثير من الشباب يعرفون أهمية الحوار أو الاحترام من الناحية النظرية، لكنهم لا يعرفون كيف تُمارس هذه المهارات تحت الضغط، أو عند الخلاف، أو في مواجهة التحديات اليومية.
ومن منظور المعهد، هذه القناعة لا تأتي فقط من التجربة، بل تستند إلى الأدلة البحثية. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة المعهد حول «تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي»، والتي شملت 1184 مشاركاً من 19 دولة عربية، أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق تحدث في المراحل المبكرة من الزواج، بما في ذلك السنة الأولى وفترة الخطوبة. كما بينت الدراسة أن عدم الانسجام وعدم التوافق النفسي والفكري بين الزوجين شكّل السبب الأول للطلاق بنسبة 19%، وهو مؤشر واضح على أن كثيراً من التحديات لا ترتبط فقط بالعوامل المادية، بل بضعف الاستعداد للحياة الزوجية ومهارات إدارة العلاقة.
كما أن دراسة المعهد حول «تصورات الشباب القطري حول الزواج السعيد والمستدام» أظهرت أهمية وجود توقعات واقعية حول الزواج، والتوافق في القيم، والحوار المسبق حول الأدوار والمسؤوليات والتوقعات المستقبلية، باعتبارها من العناصر الأساسية التي تعزز فرص نجاح العلاقة واستدامتها.
كذلك، سلطت دراسة «القوالب النمطية وتماسك الأسرة في دول الخليج: الدور الاجتماعي والاقتصادي للأزواج» (2024) الضوء على التحولات التي تشهدها الأدوار داخل الأسرة الخليجية، في ظل ارتفاع مشاركة المرأة في التعليم والعمل، وهو ما يجعل الحوار حول توزيع المسؤوليات والتفاهم حول الأدوار الأسرية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ولذلك، فإن المعهد لا ينظر إلى برامج المقبلين على الزواج بوصفها محاضرات توعوية قصيرة، بل باعتبارها برامج تأهيلية عملية قائمة على المهارات والأدلة العلمية. وفي هذا الإطار، يعمل المعهد حالياً على تطوير برنامج متكامل للمقبلين على الزواج على مستوى الدول العربية، يستند إلى أفضل الممارسات الدولية والإقليمية، ويهدف إلى تعزيز الجاهزية للحياة الزوجية، والوقاية من الطلاق المبكر، وبناء أسر أكثر استقراراً وتماسكاً.
بعض الدول طورت تجارب وسياسات وقائية للحد من الطلاق المبكر من خلال برامج التأهيل والدعم الأسري، فهل ترون أن هناك حاجة إلى توسيع مثل هذه المبادرات في قطر والمنطقة؟
نعم، هناك حاجة واضحة إلى توسيع هذه المبادرات، ليس فقط في قطر، بل في المنطقة عموماً. فالأرقام المتعلقة بالطلاق المبكر تؤكد أن التدخل بعد وقوع الأزمة لا يكفي. نحن بحاجة إلى الانتقال من منطق العلاج إلى منطق الوقاية؛ أي الاستثمار في إعداد الشباب للحياة الزوجية قبل ظهور المشكلات، وليس فقط التدخل عند تعثر العلاقة.
فدراسة معهد الدوحة الدولي للأسرة حول «تقييم العلاقات الزوجية خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج في العالم العربي» أظهرت أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق تحدث في السنوات الأولى من الزواج، وأن عدم الانسجام وعدم التوافق النفسي والفكري يأتي في مقدمة الأسباب. وهذا يعكس الحاجة إلى برامج تساعد الشباب على بناء توقعات واقعية، وتطوير مهارات الحوار، وإدارة الخلاف، وفهم طبيعة العلاقة الزوجية
من الزواج، وأن عدم الانسجام وعدم التوافق النفسي والفكري يأتي في مقدمة الأسباب. وهذا يعكس الحاجة إلى برامج تساعد الشباب على بناء توقعات واقعية، وتطوير مهارات الحوار، وإدارة الخلاف، وفهم طبيعة العلاقة الزوجية قبل الدخول فيها.
ومن هذا المنطلق، يرى المعهد أن برامج التأهيل للمقبلين على الزواج يجب أن تكون جزءاً من منظومة متكاملة تبدأ قبل الزواج وتستمر خلال السنوات الأولى منه. هذه المنظومة يمكن أن تشمل برامج تدريب واستشارات أسرية وجلسات متابعة وأدوات تقييم مبكرة وخدمات دعم للأزواج الجدد، لأن الاستقرار الأسري لا يتحقق بقرار الزواج وحده، بل يحتاج إلى دعم ومهارات واستعداد مستمر.
كما أن المعهد لا ينظر إلى هذه المبادرات من منظور نظري فقط، بل يحرص على دراسة التجارب الدولية والاستفادة من الأدلة العلمية المتعلقة بفاعليتها. فعلى سبيل المثال، عمل المعهد على تقييم برنامج للمقبلين على الزواج في ماليزيا، باعتبارها إحدى التجارب المهمة في المنطقة الآسيوية الإسلامية، لفهم مدى أثر هذه البرامج في تعزيز الاستقرار الزوجي، وتحسين مهارات التواصل، والحد من الطلاق المبكر.
وفي هذا الإطار، يعمل معهد الدوحة الدولي للأسرة حالياً على تطوير برنامج متكامل للمقبلين على الزواج على مستوى الدول العربية، يستند إلى الأدلة العلمية وأفضل الممارسات الدولية والإقليمية، بهدف تعزيز الجاهزية للحياة الزوجية، والوقاية من الطلاق المبكر، وبناء أسر أكثر استقراراً وتماسكاً.
كيف يمكن للأسرة إدارة مرحلة ما بعد الطلاق بما يحافظ على الاستقرار النفسي للأبناء؟
إدارة مرحلة ما بعد الطلاق تتطلب قدراً كبيراً من الوعي والمسؤولية؛ لأن الطفل لا يحتاج فقط إلى ترتيبات قانونية أو مادية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى شعور مستمر بالأمان والاستقرار والانتماء. ومن أهم المبادئ التي يجب التأكيد عليها أن الخلاف بين الوالدين يجب ألا يتحول إلى عبء نفسي يتحمله الأبناء، أو إلى مساحة يُستخدم فيها الطفل كوسيلة ضغط أو طرف في النزاع.
ومن منظور معهد الدوحة الدولي للأسرة، فإن حماية الأبناء في مرحلة ما بعد الطلاق تبدأ من تقليل مستوى الصراع بين الوالدين، والمحافظة على علاقة مستقرة وآمنة للطفل مع كلا الوالدين قدر الإمكان. فالطفل يحتاج إلى أن يشعر أن الانفصال بين الوالدين لا يعني فقدان الأسرة بالكامل، وأن الحب، والرعاية، والاحتواء ما زالت موجودة في حياته.
تؤكد أبحاث المعهد حول «رفاه اليافعين في دولة قطر» (2026) أن من أهم عوامل الحماية النفسية والاجتماعية لدى الأطفال واليافعين وجود علاقة قوية مع الوالدين، وشعور الأبناء بالقرب الأسري، والمشاركة الوالدية الإيجابية، والدعم العاطفي المنتظم. وهذا مهم جداً؛ لأنه يوضح أن الأطفال يكونون أكثر قدرة على التكيف مع الظروف الصعبة عندما يشعرون بوجود بالغين داعمين، وحوار مفتوح، وبيئة أسرية توفر لهم الطمأنينة والاحتواء.
كما أظهرت دراسة المعهد حول «التماسك الأسري في دولة قطر» (2026) أن التفاعل الأسري الإيجابي، والرعاية، والدعم، والعلاقات الصحية داخل الأسرة، تعد عوامل أساسية لتعزيز قدرة الأفراد على التكيف مع الضغوط والتحديات النفسية. وحتى في حالات الانفصال، يبقى من الممكن الحفاظ على جزء مهم من هذا التماسك إذا استطاع الوالدان إدارة الخلاف بطريقة ناضجة، وتقديم مصلحة الطفل على أي خلاف شخصي.
ومن المهم أيضاً الانتباه إلى المؤشرات التي قد تدل على تأثر الأبناء نفسياً بعد الطلاق، مثل القلق، أو الانسحاب الاجتماعي، أو التراجع الدراسي، أو تغيرات السلوك والمزاج. وهنا تظهر أهمية التدخل المبكر، والتعاون بين الأسرة والمدرسة والخدمات النفسية والإرشادية عند الحاجة.
كيف يقرأ معهد الدوحة الدولي للأسرة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية على طبيعة العلاقات داخل الأسرة القطرية؟
وماذا عن استخدام الذكاء الاصطناعي، هل ترون أن الأسرة اليوم تواجه شكلاً جديداً من التحديات المرتبطة بالعلاقات والتربية والقيم؟
التحول الرقمي غيّر طبيعة الحياة الأسرية بشكل عميق. وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات ترفيه، بل أصبحت تؤثر في الوقت، والانتباه، والحوار داخل الأسرة، وفي تصورات الأبناء عن الذات والعلاقات والقيم.
لقد أظهرت دراسة المعهد حول «الإفراط في استخدام التكنولوجيا الرقمية لدى المراهقين في قطر»، بالتعاون مع جامعة حمد بن خليفة، ومؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (WISH) ومؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم (WISE)، أن 30% من أولياء الأمور نادراً ما يراقبون نشاط أبنائهم عبر الإنترنت، و34% يتابعونه أحياناً فقط. كما أظهرت أن الاستخدام المكثف للإنترنت يرتبط بالتقييم المدرسي، حيث إن الأطفال الذين سجلوا تقييماً مدرسياً وسطياً كانوا يقضون حوالي 10 ساعات على الإنترنت خلال أيام الأسبوع.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو يضيف تحدياً جديداً، لأنه لا يتعلق فقط بوقت الشاشة، بل بالمحتوى، والمعلومات، والتأثير على التفكير والقيم والخصوصية. الأسرة اليوم تحتاج إلى تربية رقمية واعية.
المعهد لا يدعو إلى الخوف من التكنولوجيا، بل إلى إدارتها بوعي. التكنولوجيا يمكن أن تكون أداة تعلم وتمكين، لكنها تحتاج إلى قواعد أسرية، وحوار، وقدوة من الوالدين، وسياسات داعمة تحمي الأطفال واليافعين.
وفق دراسات المعهد، ما هي أبرز التحديات التي تواجه الأسر العربية اليوم، وما أهم العوامل التي تسهم في تعزيز التماسك الأسري وجودة العلاقات داخل الأسرة؟
الأسر العربية اليوم تواجه تحديات متعددة ومتشابكة: ضغوط اقتصادية، تغير أدوار الزوجين، التحول من الأسرة الممتدة إلى الأسرة النووية، تأثير التكنولوجيا، تحديات الصحة النفسية، وتراجع الوقت النوعي داخل الأسرة بسبب ضغوط العمل والحياة الحديثة.
لكن في المقابل، أبحاث المعهد تؤكد أن هناك عوامل واضحة تعزز التماسك الأسري. من أهمها التواصل الفعال، الدعم العاطفي، المشاركة الوالدية، القيم المشتركة، القدرة على إدارة الخلاف، وقضاء وقت نوعي بين أفراد الأسرة.
على سبيل المثال، أظهرت دراسة «حالة الأسر القطرية: سمات القوة والتحديات» التي شملت 934 مشاركاً قطرياً، أن من أبرز عناصر قوة الأسرة التواصل الفعال، والدعم الأسري، وإظهار الحب والحنان. كما أظهرت نتائج برنامج تنشئة أن التدخلات البسيطة يمكن أن تحدث فرقاً؛ فقد ارتفعت نسبة الأسر التي تقضي أكثر من 30 ساعة أسبوعياً معاً من 29% إلى 45% بعد التدخل.
كان لمعهد الدوحة الدولي للأسرة دور في وضع نظام العمل المرن وعن بعد بالقطاع الحكومي، كيف تقيّمون أثر هذه السياسات على جودة الحياة الأسرية؟
سياسات العمل المرن والعمل عن بُعد من السياسات التي تمس جودة الحياة الأسرية بشكل مباشر، لأنها تعالج أحد أكبر التحديات التي تواجه الأسر اليوم: كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات العمل ومسؤوليات الأسرة؟ فالتحدي لم يعد اقتصادياً فقط، بل أصبح يتعلق أيضاً بالصحة النفسية، والوقت النوعي داخل الأسرة، وجودة الرعاية المقدمة للأطفال وكبار السن.
وأبحاث معهد الدوحة الدولي للأسرة حول التوازن بين العمل والأسرة أظهرت أن 8% فقط من القطريين العاملين استطاعوا تحقيق هذا التوازن، كما أظهرت أن 65.1% من النساء القطريات في العينة أفدن بأنهن يشعرن بصورة منتظمة بالإحباط أو الاكتئاب أو اليأس بسبب غياب سياسات داعمة للتوازن بين العمل والأسرة، مقارنة بـ 28.1% بين الذكور. وهذه الأرقام توضح أن المسألة ليست رفاهية أو ميزة إضافية، بل قضية ترتبط بصورة مباشرة بالصحة النفسية، والاستقرار الأسري، وجودة الرعاية داخل البيت.
وانطلاقاً من هذه النتائج، عمل المعهد على تحويل الأدلة البحثية إلى موجزات سياسات قُدمت إلى الجهات المعنية، وأسهمت في دعم النقاش الوطني حول السياسات الصديقة للأسرة، بما في ذلك ترتيبات العمل المرن والعمل عن بُعد. وأثر هذه السياسات لا يظهر فقط في راحة الموظف، بل في قدرة الوالدين على قضاء وقت أكثر جودة مع الأبناء، وتقليل الضغط النفسي، وتعزيز التماسك والاستقرار داخل الأسرة.
وفي تقديرنا، من المهم الاستمرار في تطوير هذه السياسات والتوسع فيها بصورة أكثر مرونة، خاصة للفئات التي تتحمل أعباء رعاية إضافية. فعلى سبيل المثال، إننا نطالب بتوفير خيارات عمل مرنة أو فرص عمل عن بُعد للمرأة المعيلة لطفل، أو للموظفين الذين لديهم مسؤوليات رعاية لأحد كبار السن أو لأحد أفراد الأسرة الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة. فهذه الفئات غالباً ما تواجه ضغوطاً مضاعفة بين متطلبات العمل وواجبات الرعاية الأسرية، وتوفير خيارات عمل أكثر مرونة يسهم في الحفاظ على الاستقرار الأسري، ويعزز الإنتاجية، ويقلل الضغوط النفسية والاجتماعية.
أُطلق مؤخراً مركز التربية الوالدية «كنف»، كيف ساهم معهد الدوحة الدولي للأسرة في تطوير هذا المشروع؟ وما الدور الذي يمكن أن يؤديه المركز في تعزيز الوقاية والدعم الأسري داخل المجتمع؟
يمثّل إطلاق مركز التربية الوالدية «كنف» خطوة وطنية مهمة في بناء منظومة أكثر تكاملاً لدعم الأسرة. أهمية المركز أنه ينتقل بالتربية الوالدية من كونها مسؤولية فردية داخل البيت إلى مجال يحتاج إلى معرفة، وتأهيل، وخدمات، وسياسات داعمة.
وقد ساهم معهد الدوحة الدولي للأسرة في بناء الأساس المعرفي لهذا التوجه من خلال أبحاثه حول التربية الوالدية، وعلى رأسها تقرير «برامج الوالدية في العالم العربي»، الذي رصد 108 برامج في المنطقة، وبيّن الحاجة إلى برامج عملية تساعد الوالدين على تحويل المعرفة التربوية إلى ممارسات يومية.
ونشكر في هذا الصدد وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، والتي قامت بجهود حثيثة لإنشاء هذا المركز وتدشينه بحضور معالي رئيس مجلس الوزراء، انطلاقاً من إيمانها بأهمية وقاية أفراد الاسرة من خلال برامج وقائية تحتوي على المهارات الوالدية التي تتوافق مع قيم وثقافة ودين المجتمع القطري، يقدمها مجموعة من المتخصصين المحترفين في هذا المجال.
كما عمل المعهد، عبر برنامج تنشئة، على تطبيق نموذج تدخلي يعزز العلاقة بين الأسرة والمدرسة، ويقوي التواصل بين الوالدين والأبناء. بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي.
ما أهمية تعزيز دور الآباء في التربية والمسؤوليات الأسرية في ظل ضغوط الحياة والتحولات الاجتماعية؟
يبدأ تعزيز دور الآباء من تغيير الفكرة التقليدية التي تختزل الأب في دور المعيل فقط. الأب اليوم ليس فقط مسؤولاً عن توفير الاحتياجات المادية، بل هو شريك أساسي في الرعاية، والتوجيه، والدعم العاطفي، وبناء شخصية الأبناء.
وتؤكّد أبحاث المعهد حول القوالب النمطية وتماسك الأسرة في دول الخليج، أن تغيّر أدوار الزوجين يتطلب إعادة نظر في توزيع المسؤوليات داخل الأسرة. عندما تشارك المرأة في التعليم والعمل، يصبح من الضروري أن تتطور أيضاً مشاركة الرجل داخل البيت وفي رعاية الأبناء.
كما يقدم برنامج تنشئة مؤشرات مهمة في هذا الجانب؛ فقد أظهرت نتائجه أن أكثر من 70% من الطلبة أفادوا بإمكانية حصولهم بسهولة على الدعم العاطفي من آبائهم، وهذا مؤشر مهم، لكنه أيضاً يذكرنا بأن دور الأب العاطفي والتربوي يحتاج إلى دعم وتعزيز مستمر.
ما الرسالة الأساسية التي يسعى معهد الدوحة الدولي للأسرة إلى إيصالها من خلال مؤتمر «رفاه الأسرة: قياس ما يصنع الفارق» والمزمع تنظيمه خلال الفترة المقبلة؟
سيتم تنظيم المؤتمر في 10 و11 أكتوبر المقبل، ويأتي في العام الذي تحتفل فيه قطر باليوم الدولي للأسرة، وفي الوقت الذي تعتبر فيه دول العالم دولة قطر نموذجاً رائداً في قضايا التماسك الأسري، حتى أن البعض وصف قطر بأنها «الدولة الصديقة للأسرة».
والرسالة الأساسية له هي أن رفاه الأسرة لا يمكن أن يُقاس فقط بالدخل أو الخدمات أو المؤشرات الاقتصادية، بل يجب أن نقيس ما يهم فعلاً في حياة الأسرة: جودة العلاقات، التماسك، الشعور بالأمان، الدعم المتبادل، المعنى، الهوية، والقيم.
نحن في المعهد نؤمن أن الأسرة ليست فقط متلقية للسياسات، بل هي وحدة أساسية في التنمية. فإذا أردنا سياسات اجتماعية فعالة، يجب أن نملك أدوات دقيقة لقياس وضع الأسرة واحتياجاتها.
يسعى مؤتمر «رفاه الأسرة: قياس ما يصنع الفارق» إلى جمع الخبراء وصناع القرار والباحثين من الدول العربية والإسلامية لوضع إطار أكثر حساسية ثقافياً لقياس رفاه الأسرة، بما يساعد الدول على تصميم سياسات تستجيب للواقع الحقيقي للأسر، وليس فقط للمؤشرات العامة.
وبما أن المؤتمر معنيّ برفاه الأسرة في العالم الإسلامي، فإنه يسلّط الضوء على تأثير الدين في تعزيز التماسك الأسري. وقد أظهرت العديد من الدراسات العالمية أن المجتمعات الأكثر تدينًا تتمتع عادة بدرجات أعلى من الترابط الأسري، بينما ترتبط النزعة الفردانية بتراجع بعض مظاهر التماسك داخل الأسرة.
وهدفنا في النهاية هو إبراز أن الدول الإسلامية تمتلك مقومات قوية لرفاه الأسرة، بفضل القيم الدينية والاجتماعية الراسخة التي تدعم الاستقرار والترابط الأسري.
أن تتحول مخرجات مؤتمر «رفاه الأسرة: قياس ما يصنع الفارق» من نقاشات وتوصيات إلى أدوات وسياسات تؤثر فعلياً في حياة الأسر؟
هذا سؤال مهم، لأن نجاح أي مؤتمر لا يُقاس بعدد الجلسات أو التوصيات الصادرة عنه، بل بقدرته على إحداث أثر ملموس في حياة الأسر بعد انتهاء المؤتمر. ومن هذا المنطلق، فإن الهدف من مؤتمر «رفاه الأسرة: قياس ما يصنع الفارق» لا يقتصر على النقاش الفكري أو تبادل الخبرات، بل يتمثل في تطوير أدوات عملية تساعد صنّاع القرار على تصميم سياسات أكثر استجابة لاحتياجات الأسر الواقعية. وفي هذا السياق، يركّز المقياس الذي يصدر عن المؤتمر، على الدول الإسلامية، بحيث يعكس القيم والعوامل التي تؤثر فعليًا في رفاه الأسرة داخل مجتمعاتنا.
وفي صلب هذا التوجه يأتي مؤشر رفاه الأسرة، الذي نعمل عليه بوصفه أداة عملية لصناع السياسات وليست مجرد أداة بحثية أو إحصائية. فالمؤشر سيساعد الجهات المعنية على فهم واقع الأسرة بصورة أكثر شمولاً ودقة، من خلال قياس أبعاد متعددة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما تشمل أيضاً جودة العلاقات الأسرية والتماسك والصحة النفسية والتوازن بين العمل والأسرة والدعم الاجتماعي والشعور بالأمان والانتماء والهوية والقيم.
والأهمية الحقيقية للمؤشر أنه سيمكّن صنّاع القرار من تحديد مواطن القوة والفجوات بصورة دقيقة:
هل التحدي مرتبط بالصحة النفسية؟ أم بجودة العلاقات داخل الأسرة؟
أم بالتوازن بين العمل والحياة؟ أم بضعف الخدمات أو الدعم؟ وعندما تكون لدينا بيانات واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، تصبح السياسات أكثر دقة، وأكثر قدرة على توجيه الموارد نحو الأولويات الحقيقية للأسر.
كما أن المؤشر لن يكون أداة للتشخيص فقط، بل أيضاً أداة للمتابعة والتقييم وقياس الأثر. بمعنى أنه سيساعد الحكومات والجهات المعنية على معرفة:
هل السياسات المطبقة أحدثت فرقاً فعلياً؟
هل تحسن رفاه الأسرة؟ هل ارتفع مستوى التماسك الأسري؟ وهل انعكس ذلك على جودة الحياة والاستقرار المجتمعي؟
وفي الوقت نفسه، يمثل المؤتمر خطوة مهمة نحو بناء توافق إقليمي ودولي حول مفهوم رفاه الأسرة من منظور يعكس خصوصيتنا الثقافية والاجتماعية، بحيث لا نكتفي باستيراد نماذج قياس قد لا تعكس واقع الأسرة في مجتمعاتنا. ولذلك، نحن لا نطمح إلى أن تكون مخرجات المؤتمر مجرد توصيات عامة، بل بداية لمسار تطبيقي طويل يضع بين أيدي صناع القرار أداة عملية تساعدهم على بناء سياسات أسرية أكثر فاعلية وتأثيراً واستدامة.
في ظل التغيرات المتسارعة التي تشهدها المجتمعات، ما الملفات التي ترون أنها ستكون في صدارة أجندة معهد الدوحة الدولي للأسرة خلال السنوات المقبلة؟
أعتقد أن المرحلة المقبلة ستتطلب من الجميع – مؤسسات بحثية، وصناع قرار، وأسر – إعادة التفكير في كيفية دعم الأسرة في عالم سريع التغير. ولذلك، هناك مجموعة من الملفات التي ستكون في صدارة أجندة معهد الدوحة الدولي للأسرة خلال السنوات المقبلة، انطلاقاً من سؤال أساسي:
كيف نحافظ على أسرة قوية ومتماسكة وقادرة على التكيف مع المتغيرات؟
في مقدمة هذه الملفات، يأتي رفاه الأسرة وقياسه، لأننا نؤمن أن ما لا يُقاس يصعب دعمه أو تطويره بصورة فعالة. ولذلك يعمل المعهد على تطوير مؤشر رفاه الأسرة باعتباره أداة عملية تساعد صناع القرار على فهم واقع الأسر بصورة أكثر شمولاً، وتحديد مواطن القوة والفجوات، وتصميم سياسات أكثر استجابة لاحتياجات الأسرة الفعلية.
كما ستكون الصحة النفسية للأطفال والمراهقين والأسر من الملفات المحورية، خصوصاً في ظل الضغوط الرقمية والاجتماعية المتزايدة. وفي هذا السياق، يواصل المعهد العمل على مجموعة من الدراسات الوطنية، مثل «رفاه المراهقين في دولة قطر»، و»نظام حماية الطفل وتقييم خدمات الرعاية الاجتماعية في دولة قطر» إلى جانب «دراسة أسباب وتحديات توظيف خريجي علم النفس في سوق العمل»، بما يسهم في دعم بناء خدمات نفسية واجتماعية أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المجتمع. وسيظل ملف التربية الوالدية أولوية رئيسية، لأن الأسرة اليوم تحتاج إلى أدوات عملية تساعدها على مواكبة احتياجات الأبناء في بيئة أكثر تعقيداً، سواء في ظل التحولات الرقمية أو تغير أنماط العلاقات داخل الأسرة. وفي هذا الإطار، يواصل المعهد دعم المبادرات الوقائية مثل مركز التربية الوالدية «كنف»، إلى جانب تطوير أدلة وأدوات عملية تساعد الأسر على بناء علاقات صحية وتعزيز الحوار داخل البيت. ومن الملفات التي ستزداد أهمية أيضاً الزواج، والطلاق المبكر، والاستعداد للحياة الزوجية. ولهذا يعمل المعهد على إطلاق «برنامج التأهيل ما قبل الزواج في العالم العربي – الدليل الإقليمي»، إلى جانب دراسات تتناول الاستقرار الزواجي، مثل «فعالية الدورات الإسلامية قبل الزواج من منظور المستفيدين الذين لا يزالون متزوجين: التجربة الماليزية»، بهدف الاستفادة من التجارب الناجحة وتطوير برامج أكثر فاعلية في الوقاية من الطلاق المبكر وتعزيز استقرار الأسرة.
وستظل ملفات التوازن بين العمل والأسرة، والخصوبة، والاستقرار الاقتصادي للأسرة ضمن الأولويات البحثية المهمة. وفي هذا السياق، يعمل المعهد على إصدار دراسات مثل «تحليل التكلفة والعائد لسياسات بيئات العمل الداعمة للأسرة»، و»أثر الديون على التماسك الأسري في دولة قطر»، و»الجوانب الاجتماعية للخصوبة وانعكاساتها على السياسات العامة في دولة قطر»، إضافة إلى دراسة «فجوة الأجور بين الجنسين في دول مجلس التعاون الخليجي»، بما يساعد على تطوير سياسات أكثر دعماً للأسرة واستقرارها.كما يواصل المعهد الاستثمار في إنتاج المعرفة المرجعية حول الأسرة العربية والخليجية، من خلال مجموعة من الإصدارات العلمية المهمة، مثل «دليل الأسر في دول الخليج العربي»، وكتاب «حالة الزواج في العالم العربي»، وكتاب «السلامة الأسرية: الحماية من العنف الأسري»، بهدف توفير مراجع علمية تدعم الباحثين وصناع القرار والممارسين العاملين في قضايا الأسرة. كذلك، نهتم بملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأسرة، لأنه لم يعد مجرد ملف تقني، بل أصبح يرتبط مباشرة بالتربية، والعلاقات الأسرية، والهوية، والقيم، والخصوصية، وجودة التفاعل داخل البيت.
ما الذي يسهم في تنشئة جيل أكثر وعياً بأهمية الأسرة ودورها في المجتمع، في ظل المتغيرات الثقافية والرقمية الحالية؟
تنشئة جيل واعٍ بأهمية الأسرة تبدأ من جعل الأسرة تجربة يومية إيجابية، لا مجرد قيمة نرددها. الطفل أو اليافع لا يتعلم قيمة الأسرة من الخطاب فقط، بل من النمذجة والحوار داخل البيت، ومن الوقت الذي يقضيه مع والديه، ومن شعوره بأنه مسموع ومحتوىً.
يقدم برنامج تنشئة نموذجاً مهماً في هذا المجال، لأنه يعمل على تعزيز عوامل الحماية لدى اليافعين من خلال الأسرة والمدرسة والمجتمع. وقد أظهرت نتائجه أن زيادة الوقت النوعي داخل الأسرة تحدث فرقاً ملموساً؛ إذ ارتفعت نسبة الأسر التي تقضي أكثر من 30 ساعة أسبوعياً معاً من 29% إلى 45% بعد التدخل.
كيف ترون مستقبل الأسرة القطرية خلال السنوات المقبلة؟
أنا متفائلة بمستقبل الأسرة القطرية، لأن هناك وعياً متزايداً بأهمية الأسرة، إلى جانب استثمار وطني واضح في السياسات والخدمات والبرامج التي تدعمها. لكن التفاؤل لا يعني غياب التحديات؛ فالأسرة القطرية، مثل غيرها من الأسر حول العالم، ستواجه ضغوطاً مرتبطة بالتكنولوجيا، والعمل، وتغير الأدوار الأسرية، والصحة النفسية، والتحولات الثقافية المتسارعة. لكن ما يجعلنا ننظر إلى المستقبل بثقة هو أن الأسرة القطرية تمتلك رصيداً قوياً من التماسك والقيم الدينية والدعم الأسري. وهذا لا نقوله من منطلق الانطباع فقط، بل تؤكده الأدلة البحثية. فقد أظهرت دراسة معهد الدوحة الدولي للأسرة حول «التماسك الأسري في دولة قطر»(2026) أن الأسرة القطرية ما زالت تتمتع بدرجة عالية من الدعم والرعاية، والتفاعل الأسري الإيجابي، والقيم المشتركة، وجودة العلاقات الوالدية والزوجية، والقدرة على إدارة الخلافات بصورة متوازنة. وهذه مؤشرات مهمة تعكس وجود قاعدة قوية يمكن البناء عليها لمواجهة التحديات المستقبلية. وفي الوقت نفسه، نحن ندرك أن الحفاظ على هذا التماسك يتطلب مواكبة التحولات الجديدة. فجيل اليوم يواجه واقعاً مختلفاً؛ أكثر رقمية وأكثر انفتاحاً وأكثر تعقيداً. لذلك سيكون من المهم الاستمرار في الاستثمار في التربية الوالدية، والصحة النفسية، والسياسات الصديقة للأسرة، والتوازن بين العمل والأسرة، وتعزيز مهارات الحوار والتواصل داخل البيت. كما أعتقد أن الأسرة القطرية خلال السنوات المقبلة ستكون أكثر وعياً، وأكثر انفتاحاً على العالم، لكنها في الوقت نفسه أكثر تمسكاً بهويتها وقيمها، خاصة إذا استمر الاستثمار في البرامج الوقائية والداعمة للأسرة، مثل برامج التربية الوالدية، وتمكين الوالدين، ودعم اليافعين، وتعزيز رفاه الأسرة بصورة شاملة.