الرواية العربية بشرت بثورات الربيع العربي
ثقافة وفنون
01 يونيو 2013 , 12:00ص
القاهرة - إيهاب مسعد
واسيني الأعرج أديب وكاتب جزائري وناقد وعالم وباحث في التاريخ أستاذ جامعي في الجزائر وجامعة السوربون بفرنسا، استطاع جمع ذلك كله في كيان واحد ساعده على ذلك أنه تأسس تأسيساً قوياً فأول ما قرأ في حياته قرأ كتاب «ألف ليلة وليلة» الذي كان سبباً قوياً في حبه للأدب واتجاهه إليه مما جعله يقدم رائعته التي أوصلته للعالمية وهي رواية «فاجعة الليلة السابعة بعد الألف» التي تجلت فيها قدرته على التجريب والتجديد في الكتابة الروائية العربية إذ كيف يستعيد من النص دون تكراره، كما أن تأثره بقضايا بلده الجزائر وقضايا الوطن العربي كلها تجلت في أعماله الأدبية التي ترجمت إلى لغات عديدة.
وكما تميز الكاتب واسيني الأعرج بالكتابة باللغة العربية تميز أيضاً بالكتابة باللغة الفرنسية إذ خرج من نطاق العربية إلى العالمية إذ تم اختيار روايته «حارسة الظلال» ضمن أفضل خمس روايات في فرنسا عام 1997 وطبعت في خمس طبعات ليتحدى الأدباء الفرنسيين في لغتهم ليصبح واسيني الأعرج علماً من أعلام الرواية الجزائرية والعربية والعالمية.
التقت «العرب» بالأديب الجزائري واسيني الأعرج في زيارته للقاهرة وأجرت معه الحوار التالي الذي يحكي فيه عن تجربته الأدبية بعد ثلاثين عاماً من الكتابة وكذلك رؤيته للمشهد السياسي والثقافي العربي وهذا نص الحوار:
• وقعت رواية «رماد مريم» الصادرة عن هيئة الكتاب المصرية بالقاهرة فهلا حدثتنا عنها..
- «رماد مريم» عبارة عن سلسلة من نصوص روائية مختارة من أعمالي التي قدمتها على مدار ثلاثين عاما من الكتابة فمنذ عام فكرت في كتابة سيرة ذاتية وسيرة روائية ففضلت أن أكتب سيرة روائية لأنها مكتوبة، وفضلت أن أختار تلك النصوص بنفسي من أعمالي الأدبية لأن عملية الاختيار تلك يقوم بها شخص آخر غير الكاتب فاخترت القيام بذلك بنفسي لأن في الاختيارات نوع من الحميمية فاخترت عشرين نصاً روائياً من أعمالي حيث اخترت من كل نص فصلا معبرا ووضعت بينهم خطاً رابطاً.
• وما الهدف من تلك التجربة؟
- المقروئية في الوطن العربي تقل كثيراً فالقارئ العربي عندما أضع أمامه قراءة عشرين نصاً والنصوص كبيرة قد يمل لكن عندما تضع أمامه تجربة بكاملها في كتاب موحد فذلك يخفف لمن أراد أن يعرف لغة الكاتب ويعرف الموضوعات التي يرصدها في أعماله، وهذه التجربة ليست من ابتداعي فهي موجودة في الغرب ففي فرنسا مثلا عندما يحتفل باليوم الأدبي الكلاسيكي يقدم في شكل مختزلات أو في شكل فصول للقراء لكي يطلعوا عليه.
• كيف ترى الرواية الجزائرية؟
- الرواية الجزائرية مثلها مثل الرواية العربية في تطور مستمر تخترق كل التيمات في لغتها والجميل في الرواية الجزائرية أنه لم توجد أي ممنوعات تعوقها حتى في أحلك الفترات خاصة الفترة من 1990 إلى عام 2000 وهي تلك الفترة التي كان بها قمع بسبب الإرهاب، لكن كانت الرواية الجزائرية تلك المنارة الكبيرة التي تقول الحقيقة بطريقتها الروائية والفنية، كذلك تختلف الرواية الجزائرية عن الرواية العربية فالرواية الجزائرية تكتب بلغتين بالعربية والفرنسية أما العربية فهذا أمر طبيعي لأن الجزائر بدأت التعريب في السبعينيات.
و ترتب على ذلك ظهور جيل ثانٍ غير الجيل الأول للرواية الجزائرية جيل طاهر وطار ورضا حوحو وبن هدوقة وغيرهم، جيل ثانٍ أنا من ضمنه حيث بنينا مشاريعنا الأدبية على مشاريع الجيل الأول لكننا أنتجنا أعمالا أدبية أكثر من الجيل الأول لأن الجيل الأول كان جيلا عصامياً؛ حيث كان في فترة الاستعمار فلم تتح له ظروف التثقف والتكون أما جيلنا فنشأ أكثر في مرحلة الاستقلال كذلك أغلبه جامعي موجود في هيئات رسمية فكان عنده فرصة التثقف أكثر حتى رواياته تختلف عن روايات الجيل الأول.
أما الجيل الثاني أيضاً فتميز بأنه قرأ بلغات متعددة فساعده ذلك في الاطلاع على روايات في بلدان متعددة وبالتالي جعله ذلك لا يبقى في دائرة العربية فقط بل ذهب للعالمية، فهناك أدباء يكتبون بلغات متعددة مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها فاستفادوا من الميراث الثقافي الأوروبي وأنجزوا روايات جيدة بل تعدى ذلك إلى الجوائز ففي كل عام يفوز أديب جزائري بجائزة في فرنسا وبلجيكا أو أميركا وغيرها.
• شاركت منذ عامين في ملتقى القاهرة للرواية الذي كان عنوانه «الرواية العربية.. إلي أين؟» فالآن أين وصلت الرواية العربية؟
- هذا كأن للرواية العربية خط مستقيم لكن الرواية العربية ليس لها خط مستقيم فالرواية العربية هي عبارة عن نتاج ثقافي وحضاري لمجمل ما ينتجه العرب وبالتالي أولا علينا أن نبحث عن الخطوط المشتركة في هذه الرواية حتى نستطيع أن نسأل.. إلى أين وصلنا؟ حيث لم نر القاسم المشترك بين هذه الروايات العربية؛ حيث توجد قواسم مشتركة بينهم من ضمن تلك القواسم أنها روايات في الأغلب الأعم تنحو منحى اجتماعياً.
• لماذا ذلك المنحى الاجتماعي؟
- المنحى الاجتماعي لأنه هو الخصوصية لأن الناس يعيشون في ظروف قاسية في حياتية صعبة فنتكلم عن الحياتية بما يرتبط باليومي للناس الذين هم مرتبطون بمشكلات كبرى مثل مشكلة الديمقراطية ومشكلة الإحساس بالغربة في وطن تنتمي إليه عضوياً وروحياً، لكن في الوقت نفسه تشعر في لحظة من اللحظات أنك لا تنتمي لهذا الوطن لأن هذا الوطن لا يعترف بك في الوجود كإنسان، فهذه المشكلات المشتركة تجعلنا نقول بأن في الرواية العربية مشترك وهذا المشترك هو الذي يقودها نحو العالمية.
• حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب ووصول بعض الكُتاب العرب للعالمية هل ذلك يكفي لوصول الرواية العربية للعالمية؟
- ذلك لا يكفي وقد يرجع ذلك للظروف السياسية التي نعيش فيها وكذلك صورة العربي لكن علينا أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة ونقارن أنفسنا بما ننتجه أدبياً وما ينتج روائياً حول العالم لنجد أنفسنا لنا جوانب إيجابية كبيرة لكن في الوقت نفسه يوجد عندنا نقائص، ففي المجال اللغوي مثلا لم نعمل على اللغة العربية كثيراً وكذلك في مجال الخيال حيث لم نعمل عليه مثل ما فعل الأميركيون اللاتينيون الذين لقوا في البداية رفضاً لنموذجهم الروائي في أوروبا مثل ميخيل أنجيل أستورياس وثيرو أليخديا وذلك قبل ظهور ماركيز لكنهم دافعوا عن ثقافتهم وأدبهم ويقولون هذه ثقافتنا وهذه حضارتنا.
• كيف ذلك؟
يدافع أدباء أميركا اللاتينية عن أدبهم أمام الأوروبيين ويقولون لهم أنتم لا تصدقون بأن الإنسان ممكن أن يسير في الشارع ويطير إلى السماء لأن مجتمعكم فيه نوع من العقلانية لكن المسلك الحياتي للبشر ليس فقط العقلانية لأن الإنسان هو غموض داخل العالم فيه العقل واللاعقل فأنتم لا تصدقون اللاعقل لكن نحن نصدقه، فقد هيأ هؤلاء الأدباء الأميركيون الأرضية الثقافية السحرية في العالم فلما أتى جيل ماركيز وجد من يستقبله عند الغرب لذلك فاز أغلبهم بجوائز نوبل، فهذا إنجاز لأنهم انحازوا إلى لغتهم إلى أدبهم فلم يكتبوا على مقاس الغرب العقلاني.
أما المشكلة عند العرب أنه من شدة الرغبة في الوصول إلى الآخرين يكتبون على مقاسهم وهذا يلغي قيمة الكتابة لذلك يجب علينا أن نتوقف ونتأمل هذه الرواية لأن الرواية العربية ذات قيمة وتستحق أن يتم فيها نوع من التشاور والتحاور.
• ما تصورك للربيع العربي وتأثيره على الرواية العربية؟
- نبدأ من الجزء الثاني في السؤال في كل الأحوال المتغيرات الثقافية والسياسية والحضارية لها واقع على الأدب لأنه مرتبط باليومي وأيضاً واقع على الأمد الطويل، فالرواية العربية قبل الربيع العربي بشرت به فمثلا الرواية السياسية التي كتبها الكاتب السوري نبيل سليمان والجزائري طاهر وطار والمغربي بن سالم حميش وغيرهم فهؤلاء كلهم بشروا بأن شيئاً ما يرتسم في الأفق فرصدوا المظالم ورصدوا الديكتاتور العربي وبداية تفككه وانحلاله وهذا يعني بكل بساطة بأن شيئاً ما بدأ يتكون مثل الجنين وهو ما سمي فيما بعد بالربيع العربي.
ويضيف الروائي واسيني أما مسألة الربيع العربي فإنه لا يمكن أن نقلل من الحس الشعبي ورغبته في التغيير فكل ما حدث له كل المبررات الموضوعية التي أدت لحدوثه وهذا ليس إشكالا لكن المشكل مَن الذي يستفيد من هذه الثورات فيما بعد هل نترك هذه الثورة مثل الثورة الفرنسية وغيرها لكي تنمو من خلال عناصرها الذاتية ومكوناتها داخل سيرتها لأن الثورات هو ما يبدأ الآن وليس إسقاط رؤوس الأنظمة فقط لأن النظام هو شبكة أكثر تعقيداً فالعملية تحتاج إلى نوع من التأمل، وعلى الحكام الجدد الآن وأغلبهم من الإسلاميين أن يجعلوا من وجودهم في السلطة وجوداً إيجابياً وأن التوجه الأول يجب أن يكون للمواطن الذي يجب أن تعود له كرامته ومواطنته وله حقوق وعليه وجبات ثانياً أن يكون الدستور يجمع ولا يفرق.
• كيف تقدم التاريخ في الرواية؟
- لا آخذ المسألة التاريخية كمعطٍ ثابت بل أجعلها في تحول مستمر وأنظر لها برؤيتي كشخص موجود على حواف القرن الحادي والعشرين؛ حيث تهمني قضايا وطني الجزائر وقضايا الوطن العربي ولست منفصلا عن تلك القضايا ويهمني الأدب طبعاً لأن كل ذلك يجب أن ينسج في سياق أدبي وإلا سنتحول بدورنا إلى مؤرخين، لكن مؤرخين فاشلين لأن المؤرخ له وظيفته لكن الأديب كذلك المفروض أن لا يتخلى عن تلك الوظيفة وأن يظل في سياق الأدب فأنت لا توصل الحقيقة الموضوعية وإنما توصل الحقيقة كما تراها أنت كروائي من خلال معطيات أنت تبحث فيها يستقبلها القارئ بنوع من التأمل وهذا ما تجلي في روايتي «كتاب الأمير».
• تجلت قدرتك على التجريب والتجديد وظهر ذلك في روايتك «فاجعة الليلة السابعة بعد الألف بجزأيها: رمل الماية والمخطوطة الشرقية» فحدثنا عن ذلك.
- رواية فاجعة الليلة السابعة بعد الألف صدرت في الثمانينيات وربما هي التي ساعدت كتابتي على الخروج من دائرة المحلية إلى العالمية فهي في الحقيقة رواية بسيطة استفدت من ألف ليلة وليلة فعندي علاقة ثابتة مع النصوص خاصة نص ألف ليلة وليلة ففيها كانت شهرزاد هي التي تتحدث إلى شهريار وفيها كانت لشهرزاد شقيقة هي دنيازاد التي لم تتكلم في ألف ليلة، فألف ليلة وليلة يقوم فيها شهريار بالحكم على كل النساء التي يتزوجهن بالقتل في اليوم الموالي من زواجه بهم على أساس أن زوجته الأولى خانته فبالتالي كلهن خائنات فيبدأ في عملية القتل.
ويتابع الأديب واسيني حتى تأتي شهرزاد وتبين له أن المرأة يمكن أن تحب زوجها وتكون وفية له وتحكي له قصصاً على مدار أكثر من ثلاث سنوات هي ألف ليلة وليلة، والغريب أن القصص التي تحكيها له فيها خيانات زوجية فلذلك أندهش كيف هي تدافع عن المرأة وتعيد إنتاج نفس الخطاب؟ ففهمت أن من الناحية الرمزية السياسية أن شهرزاد هي الصورة الذكورية لشهريار حيث أعادت ما كان يريد أن يسمعه فلو أعطته خطاباً مخالفاً لقتلها وهو ما يحدث في سياستنا اليوم.
و لذلك أخرجت شقيقتها دنيازاد من النص الأصلي لأنها كانت دائماً تسأل ماذا بعد؟ كأنها كانت غير متفقة مع شهرزاد لذلك جعلت دنيازاد هي التي تحكي التاريخ العربي الحقيقي لشهريار وليس تاريخ هارون الرشيد أو تاريخ النساء والرقص، فتحكي مثلا تاريخ الزنوج وتاريخ القرامطة وطبعاً هذا الحاكم لا يستطيع أن يتحمل هذا الخطاب فيقوم بقتلها في نهاية الرواية وذلك عبر ست ليالٍ في النص الأصلي ألف ليلة وليلة فإذا أضفنا ست ليالٍ صارت الليلة السابعة بعد الألف.
ويشير إلى أن شهريار ذلك الحاكم الذي تحمل ألف ليلة وليلة وسمع حكايات شهرزاد بانتباه لم يتحمل سماع ست ليالٍ من دنيازاد فيقوم بقتلها في نهاية الست ليالٍ فأردت أن أقول من وراء هذا إن ذلك مثل الربيع العربي الذي نعيشه الآن فهذا الحاكم المتلاشي المتناهي محكوم عليه بالزوال لأنه في آخر الرواية يحدث انقلاب شعبي ويسقط هذا النظام.
• وماذا بعد ذلك؟
- ترجمت الرواية إلى لغات متعددة ودرست في جامعات متعددة وكلما ذكرت ألف ليلة وليلة ذكرت معها روايتي «فاجعة الليلة السابعة بعد الألف» مقرونة بها لأنها أثارت نقاشاً ليس فقط على المستوى السياسي ولكن على مستوى البنية نفسها، إذ كيف تستعيد من النص نفسه دون أن تكرره تستعيد نفس البنية التي صارت عليها ألف ليلة وليلة من حيث عملية الحكي.
• ما الجديد الذي تنوي تقديمه؟
- رواية جديدة وهي رواية ذات طابع تاريخي وطابع ذاتي لأنها عن استشهاد والدي والوالد في النهاية ليس إلا صورة عن مليون ونصف من الشهداء؛ حيث أخذت جزئية من الشهداء الذين استشهدوا ولم يكن لهم حظ أن يكونوا في قبور فوالدي لا نعرف له قبراً فقد استشهد في السجن ولا نعرف ماذا صار له بعد ذلك، فالبطل في الرواية يحاول أن يجد رفات والده فيبدأ عملية البحث، فالرواية كلها عبارة عن بحث ليس في التاريخ فقط بل فيما هو إنساني فأنا من حقي كإنسان أن يكون لوالدي قبر أزوره وأترحم عليه، فالرواية فيها نقد للتاريخ الرسمي بالجزائر إذ كيف استثمرت الثورة فقد فلم تستثمر في صالح الذين ضحوا بل في صالح ناس آخرين.
فالبطل شاب صغير ليس له علاقة بالثورة وقد جعلته ابني وهو حقوقي درس القانون يبحث عن مسار جده وهذا حدث حقيقي فابني بالفعل قد بحث عن مسار جده وهذا أطوره روائياً فقد ذهب يبحث عن العسكريين الذين كانوا في السجن الذي كان فيه أبي وتواصل مع أحدهما على الإنترنت، وقلت اسأله عن مسار لجدك وقلت له سيعطيك إجابتين إما أن يعتذر عما فعله من عملية القتل والتعذيب وإما سيقطع معك الاتصال وهذا بالفعل ما حدث فعندما سأله ابني عن السجن قطع المراسلة معه نهائياً، أما أنا في الرواية فأجعل المراسلة مستمرة لأن الرواية كلها مبنية على المراسلات .