مواطنون يرفضون «طبيب الأسرة» ويعتبرونه خرقاً للتقاليد..وآخرون يرحبون ويطالبون بكادر قطري
تحقيقات
01 مايو 2013 , 12:00ص
الدوحة – محمد سيد أحمد
تباينت آراء مواطنين استطلعتهم «العرب» حول أهمية «طبيب الأسرة» ودوره وتقبله في المجتمع القطري، وأكد أحد الأطباء المشهورين أن وجود «طبيب الأسرة» وانتشاره يخفف الضغط عن المستشفيات. وعبر المعترضون على وجود طبيب الأسرة عن عدم استعدادهم لمشاركة شخص غريب بعض الخصوصيات التي يرون استحالة مشاركتها آخرين لا تربطهم بهم رابطة، مؤكدين أن زيارة المستشفيات والعلاج فيها تغني عن وجود طبيب الأسرة، بينما شدد آخرون على أهمية طبيب الأسرة منتقدين في الوقت نفسه تشبث الآخرين بالعادات والتقاليد التي أصبح الكثير منها يتعارض مع المصلحة العامة،.
وأعرب هؤلاء عن استعدادهم للترحيب بطبيب الأسرة الذي لا يختلف دوره عن دور الطبيب في المستشفى، لا، بل إن طبيب الأسرة يمكن أن يساعد الأسرة القطرية أو غير القطرية في تلافي الكثير من الأخطاء الصحية التي قد يفقد بعض الناس أرواحهم نتيجة لها، فإلى أي مدى يمكن للمجتمع القطري أن يساعد على انتشار طبيب الأسرة؟، وهل هناك كادر طبي متخصص لديه القدرة على تغطية الحاجات الصحية للأسر التي تتزايد يوما بعد يوم بسبب الزيادة المطردة للسكان؟
يحتل أهمية كبيرة
عوض القحطاني يقول : يحتل طبيب الأسرة أهمية كبيرة لدى بعض المجتمعات التي فهمت أهمية طبيب الأسرة الذي بإمكانه مساعدة الأسرة على المحافظة على صحتها وتجنب الكثير من الأخطاء الصحية التي كانت غالبا ما تودي بحياة بعض أفراد الأسر نتيجة للتشخيص الخاطئ وجهل الأطباء العامين بالأمراض الوراثية لهذه الأسرة أو تلك، لذا أعتقد أن غياب ثقافة طبيب الأسرة عن المجتمع القطري يرجع إلى أسباب عديدة بعضها يختلف من شخص لآخر، والبعض مجمع عليه، فالأسباب التي تختلف من شخص لآخر يمكن أن نختصرها فيما يتعلق بالظروف المادية التي تختلف من أسرة لأخرى مما يجعل البعض غير قادر على استقطاع جزء من دخله وتخصيصه كراتب لطبيب الأسرة، أما السبب المتفق عليه فيعود إلى رسوخ ثقافة الانغلاق والمحافظة التي تحول بين الأسر القطرية والسماح لغرباء بالاطلاع على أسرارها، وإذا ما علمنا أن طبيب الأسرة أصبح في بعض المجتمعات المنفتحة يتدخل في تفاصيل الحياة الزوجية بين الأزواج، وفي الطريقة التي ينجبون بها الأطفال وغير ذلك، فإنه آن الأوان لنا كي نتقبل وجود طبيب الأسرة وعدم التحجج بأن المجتمع القطري ما زال غير مهيأ لتقبل هذا الموضوع لم تعد فائدته تخفى على ذي بصيرة.
لكن انفتاح القحطاني وتقبله لوجود طبيب الأسرة مشروط بعدم دس الطبيب أنفه في خصوصيات الأسرة، وأن يقتصر دوره على تقديم الاستشارات الطبية متى ما طلبت منه، أما أن يعتقد أنه أصبح جزءا لا يتجزأ من الأسرة بحيث يمكنه الدخول والخروج في أي وقت يشاء أو التدخل في بعض الأمور الخاصة فهذا ما لن أرضاه كقطري.
العادات والمصلحة
بدوره يرى محمد عبدالله أن ثقافة طبيب الأسرة لا يمكن أن تنتشر ما دام المجتمع يغلب جانب العادات والتقاليد على جانب المصلحة العامة للأسرة والأفراد، وأضاف: نحن كمجتمع لم نعد نفرق بين العادة والشرع للأسف الشديد، وأصبح الكثير منا ينظر إلى العادات والتقاليد على أنها جزء أصيل من الشرع لا يمكن المساس به ولا الخروج عنه مما جعلنا غير قادرين على الاستفادة من خدمات كثيرة لنفس الحجج الواهية التي يجب أن تنتهي، صحيح أنه لكل مجتمع عاداته وتقاليده الحسنة، لكن صحيح أيضا أن هناك عادات وتقاليد غير حسنة يجب علينا معالجتها، من هنا أعتقد أن طبيب الأسرة ضرورة تمليها الحياة ويفرضها الواقع بعد التطور الحاصل وتعقيدات الحياة اليومية وزحمة السير الخانقة، فما الذي يضر الأسرة القطرية أن يكون لديها طبيب تستطيع الرجوع إليه في الأوقات الحرجة، ويمكن أن يقدم لها استشارات خاصة تلامس مصلحتها بناء على معرفته بأهم العوامل الوراثية والطبية لها. وفي اعتقادي –يضيف محمد– أننا ما دمنا في دولة مثل قطر التي تعتبر قبلة للباحثين عن عمل والتي تستقطب يوميا مئات إن لم نقل الآلاف من الوافدين الجدد الذين يشكلون ضغطا كبيرا على الخدمات الصحية في البلاد، أعتقد مع هذه الحال أنه يتعين علينا ترسيخ ظاهرة طبيب الأسرة والاستفادة من خدماته حتى يساهم في تخفيف العبء عن الخدمات الصحية التي تئن تحت وطأة تعداد السكان الآخذ في الازدياد، فطبيب الأسرة بإمكانه زيارتك في البيت في أي وقت عندما تحتاجه للقيام بإجراء فحوصات طبية لأحد أفراد الأسرة، خصوصا عندما تكن حالة المريض الصحية من الحالات التي لا تحتاج إلى الذهاب للمستشفى، لأن طبيب الأسرة يمكن أن يكشف على المريض ويكتب له الوصفة الطبية التي يحتاجها دون عناء نقله للمستشفى في أوقات قد تكون حرجة بالنسبة لأفراد الأسرة. وكتشجيع لوجود طبيب الأسرة في المجتمع القطري يرى محمد عبدالله أن أفضل وسيلة لذلك هي وجود أطباء قطريين يعرفون المجتمع وعاداته وتقاليده، بحيث يمكن للأسرة الوثوق بهم وبأنهم جزء حقيقي منها، لأن عامل المواطنة غالبا ما يساهم في إزاحة العديد من العقبات التي تحول دون وصول المجتمع لبعض المصالح.
الخصوصية والمشاركة
خالد عبدالله يرى أنه لا يشجع وجود طبيب الأسرة في المجتمع القطري، لأن ذلك يسبب الكثير من الإحراج وأردف: بالنسبة لي لا أشجع الاعتماد على طبيب الأسرة إطلاقا، لأنني لا أحب أن أشارك الآخرين معلوماتي الخاصة، سواء أكان طبيبا أو غير طبيب، وعلى من يحتاج إلى خدمات الأطباء أن يذهب إليهم في المستشفيات والعيادات ويعرض عليهم حالته الصحية كمريض عام دون إتاحة المجال لهم بالاطلاع على خصوصياتي، وهنا لا بد من التمييز بين المجتمعات الغربية المفتوحة والتي لم تعد لديها خصوصيات، وبين المجتمعات المحافظة التي ما زالت تتمتع فيها الأسرة بنوع من الخصوصية، فما يصلح في أوروبا قد لا يصلح عندنا وهكذا.
وعند سؤالنا لخالد عن الفرق بين وجود طبيب للأسرة يسكن معها في نفس الحي ويعرف احتياجاتها الطبية، والطبيب في المستشفى الذي يقوم بنفس المهمة، أجاب بما يلي: كمواطن إذا ما زرت الطبيب في المستشفى فسأقابل شخصا لا يعرفني ولا تربطني به سوى رابطة ساعة من الخدمة، بعكس طبيب الأسرة الذي يعرفني ويعرف عائلتي ويمكنه أن يتدخل في كل جزئية من حياتي وحياة عائلتي، فهذا لا أتقبله مطلقا، وأعتقد أن كثيرين يوافقونني الرأي في هذا الموضوع.
ظاهرة حديثة
الدكتور محمد عبدالله إبراهيم العمادي، استشاري الجراحة العامة والمناظير في مستشفى العمادي يوضح أهمية طبيب الأسرة بقوله: بداية علينا أن نفهم أن مفهوم طبيب الأسرة يعتبر حديثا، لأنه قد ظهر قبل حوالي 15 سنة في الدول الغربية، ثم انتشر في مجتمعات أخرى كثيرة، وعلينا أن نعرف أنَّ طبيب الأسرة يحتل مركزا هاما في حياة الكثير من الشعوب في الدول الأخرى لما له من أهمية بالغة، فهو حلقة الوصل بين المجتمع وبين الأطباء الآخرين، لذا يجب أن تترسخ لدينا عقلية تجعلنا على قناعة تامة بأن طبيب الأسرة يجب أن تنظر إليه على أنه جزء منها وليس إنسانا غريبا، وتعتمد عليه أساساً في كثير من مشاكلها الصحية المختلفة، لكن يجب على طبيب الأسرة أن يكون لديه الوعي الكامل والمعرفة الدقيقة بالتاريخ المرضي للأسرة وبطبيعة حياتها ونظامها الصحي، وعادات وتقاليد كل الأسر التي تعتبره طبيبا خاصا بها، كما أنه لا بد من توافر المعرفة لدى طبيب الأسرة بكل الأمراض السابقة التي قد تعرضت لها الأسرة، بالإضافة إلى معرفة العلاجات التي حصلوا عليها سابقا، وعند توفر هذه الشروط يستطيع طبيب الأسرة اتخاذ القرارات الصحية الصحيحة الخاصة بجميع أفراد الأسرة، والنقطة الثانية وهي الأهم تتمثل في العلاقة بين الطبيب والمريض، لأن نجاح العلاج يعتمد أساساً على ثقة المريض بطبيبه، ومما لا شك فيه أن طبيب الأسرة هو في الحقيقة مخالط لهذه الأسرة بشكل دائم، حيث يمكنه ذلك من التعرف عليها وعلى احتياجاتها الصحية بصورة دائمة، لأن نجاح العلاج الذي يصفه طبيب الأسرة لها يتوقف على ذلك، لهذه الأسباب يمكننا القول بأن طبيب الأسرة يعتبر همزة الوصل بين الأسرة والطبيب الاختصاصي في حالة ما إذا احتاج المريض لتشخيص من اختصاصي ما، وهو الذي يحول المريض إلى القناة التخصصية، ويأخذ التعليمات من الطبيب الاختصاصي، وبعد ذلك يتأكد من نجاعة العلاج ومتابعة استعماله.
وحول ما إذا كان لطبيب الأسرة وجود في المجتمع القطري أكد الدكتور العمادي أن وجود طبيب الأسرة في قطر يعتبر محدودا مقارنة مع ما نطمح إليه، فهناك عدة أطباء في بعض المستشفيات يمارسون هذه المهنة، وفي اعتقادي أن الأسباب وراء محدودية انتشار ثقافة طبيب الأسرة في دولة قطر يعود لأسباب كثيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر محدودية المجتمع، وبعض العادات التي تحكم ثقافته، بالإضافة إلى أن المراكز الصحية تؤدي نفس الدور الذي يؤديه طبيب الأسرة، لكن للتغلب على الجانب الاجتماعي الذي تفرضه العادات والتقاليد للمجتمع القطري والذي يحول دون ظهور ثقافة طبيب الأسرة علينا تكوين جيل جديد من الأطباء القطريين حتى يقوموا بهذه المهمة لأنهم أقدر عليها من غيرهم بسبب معرفتهم لعادات وتقاليد الأسر القطرية، وهذا يمكن أن يتم عبر توجيه الكثير من الطلاب إلى دراسة الطب حتى نكون جيلا من الأطباء القطريين القادرين على لعب دور كبير في مجتمعهم، لأن الأسرة القطرية يمكن لها أن تتقبل وجود طبيب قطري لها، عكس الطبيب الأجنبي لأن تربية المجتمع وثقافته تجعله غير مستعد بعد لتقبل وجود غرباء، لذا أعتقد أنه بدعمنا للكادر الطبي القطري يمكننا إنشاء علاقة قوية بين الطبيب ومختلف الأسر القطرية.
وأشار الدكتور العمادي إلى أن تخوف البعض من دخول طبيب غريب إلى بيته تخوف ليس في محله، لأن الطبيب مهما كانت جنسيته يظل جزءا من كل أسرة لدوره الذي يقوم به سواء في مقر عمله بالمستشفيات أو داخل البيوت، ففي النهاية أنت كمريض تعي أن الطبيب جزء منك لقربه منك في أثناء حاجتك إلى خدماته، من هنا لا بد من إبداء ملاحظة أو شرح لموضوع طبيب الأسرة وكيفية التعامل معه، فطبيب الأسرة لا يشترط فيه أن يذهب إلى البيوت بشكل دائم، وهذا ما علينا تفهمه.
ولفت الدكتور العمادي إلى أن وجود طبيب الأسرة في المجتمع القطري سيساعد على تخفيف الأعباء عن المراكز الصحية التي تعج بالمرضى لأن طبيب الأسرة بإمكانه مقابلة المريض في بيته وإجراء الفحوصات اللازمة وإعطاؤه ما يحتاج من نصائح طبية ووصفات دوائية تجعل المريض مستغنيا عن الوقوف في طوابير المستشفيات، خصوصا إذا كان العارض الصحي بسيطا.