المريخي: استقرار الأسرة أمان للمجتمع
محليات
01 أبريل 2016 , 04:57م
الدوحة - العرب
شدد د. محمد بن حسن المريخي، على أهمية تأثير الأسرة في المجتمع، موضحًا أن استقرار المجتمع وأمانه يكون مع استقرار الأسر، وأنه يصبح فوضى إذا عمت الفوضى محيط البيوت والأسر.
وقال في مستهل خطبة الجمعة، التي ألقاها أمس في جامع الإمام محمد بن عبد الوهاب: "إن كثيرا من الناس يطلب السعادة ويتلمس الراحة، وينشد الاستقرار وهدوء النفس والبال، ويسعى في الابتعاد عن أسباب الشقاء والاضطراب ومثيرات القلق، لا سيما في شؤون البيوت والأسر، منوهاً بأن كل ذلك لا يتحقق إلا بالإيمان بالله والتوكل عليه، ثم بالأخذ بما وضعه من سنن، وشرعه من أسباب".
وأكد د. المريخي أن الأسرة والبيت سكن للزوج والزوجة والأبناء؛ حيث إنها راحتهم واستقرارهم ومأواهم بعد الله تعالى من تعب الحياة ونصبها. وقال إن من المفروض الذي شرعه الله تعالى أن يجد الزوج راحته عند زوجته وأسرته، وأن يجد سعادته واطمئنانه ومتنفسه وتفريج كربه وتبديد همومه وغمومه ومكروهه، وأن يأخذ مكانه كقوام للأسرة فيرى زوجته الحنون، وأم أولاده الرؤوم، وأن يجد حاجته على أكمل ما أمر الله به من زينة ومنظر حسن وطاعة وامتثال في المعروف ومعينة له على نوائب الدهر، وأن يجد بيتا واسعا في إدارته وأولاده وزوجته ينسيه عناء الأعمال والأشغال؛ يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرا أحدا ليسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها".
وأشار إلى أنه في المقابل أيضا يجب أن تجد الزوجة راحة بالها وسعادتها عند زوجها وعشيرتها وأبنائها، فتجد من يفرج عنها همومها وغمومها ويطمئن قلبها، تشعر بزوج يحوطها ويرعاها، فهي أم أبنائه وهي فراشه وسعادته وشريكة حياته، وأن تجد كامل حقوقها وزيادة عنده من مال ونفس وسعادة واهتمام ومأكل ومشرب ومسكن وقضاء حاجياتها، يقول صلى الله عليه وسلم وقد سئل: "ما حق زوجة أحدنا عليه؟ فقال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت".
وشدد فضيلته على هذا الأمر، مستشهدا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: "خياركم خياركم لنسائهم"، وقوله عليه الصلاة والسلام: "استوصوا بالنساء خيرا"، قائلاً: "ينبغي أن يجد الأبناء أباهم وأمهم متحاسنين متراضيين، قد عمر الود بينهما وعمر البيت باتفاقهما، ووحدا جهودهما لتربية أبناء صالحين محفوظين بحفظ الله تعالى، يجدون والداً مهتماً بهم يتابع أحوالهم وسلوكياتهم وتصرفاتهم، وأمًّا تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر وتعلمهم الخير وتدلهم عليه وتحذرهم من الشر وأهله".
وقال د. المريخي: "في هذا الجو الكريم يتوقع أن تنشأ أسرة مؤمنة تؤثر على المجتمع كله، وهذه الأسرة تأخذ قوتها وتستمد طاقتها من تعاليم القرآن والسنة، فالزوج يعلم أن عليه النفقة وما يخصه لكونه أبا وراعيا، يعلم حسن المعاشرة من قول الله عز وجل: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}، ومن قول رسول الله: "استوصوا بالنساء خيرا، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء"، وفي رواية: "وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها" يعلم من هذا القول: "ما لها من حقوق وما فيها من ضعف، فتحتاج إلى رعاية خاصة".
ودعا الزوج لأن يعلم بمسؤوليته عند النفقة عليها وعلى أبنائها؛ من خلال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والرجل راع في أهل بيته" متفق عليه، وقوله: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت" رواه أبوداود، وفي رواية لمسلم: "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته"، ويعلم حق أهله عليه من قوله عليه الصلاة والسلام: "ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" رواه الترمذي.
حقوق الزوج:
ونصح الزوجة بأن تعلم حق زوجها عليها لكونه زوجها وولي أمرها وهي تحمل اسمه، يقال زوجة فلان وتحمل اسم أولاده فيقال: أم فلان بن فلان، وتحمل سمعته وتملك أسرار بيته وخصوصيات شؤونه، فعليها واجب كبير، إذا قامت به نالت بإذن الله الرضوان والقبول وإذا أخلت به خر عليها السقف فكانت أول الضحايا، يقول عليه الصلاة والسلام: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، حتى قال: والمرأة راعية على بيت زوجها وولده".
وقال: "لا يحل لامرأة أن تصوم - يعني غير الفريضة - وزوجها شاهد إلا بإذنه ولا تأذن في بيته إلا بإذنه".
وتابع، مبيناً حق الرجال: "فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون" وهو عند الترمذي حديث حسن صحيح، وتوعدها بالغضب واللعن إذا دعاها إلى فراشه فأبت وتركته ينام وهو غضبان عليها، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح" متفق عليه. وقال في حديث آخر: "والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها - يعني زوجها -" رواه الترمذي.
وأكد فضيلته أن النبي، صلي الله عليه وسلم، أوضح مدى أهمية استجابة الزوجة لطلب زوجها، فقال: "إذا دعا الرجل زوجته لحاجته فلتأته وإن كانت على التنور". ولتعلم الزوجة مكانة زوجها وخطورة إهمال حقه يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، وقال مبينا جزاء طاعة الزوج في المعروف: "أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة" حديث حسن عند الترمذي.
بر الوالدين:
وأضاف أن الحال نفسه موجه للأبناء بأمرهم ببر الوالدين وتحذيرهم من عقوقهما ومخالفة أمرهما، مشيرا إلى أن ذلك هو جو الأسرة الموفقة المتينة البنيان التي لا تهزها الرياح، مهما كانت قوتها ولا تؤثر فيها المغريات مهما كانت براقة مزخرفة، وهذه الأسر يعتمد عليها المجتمع السليم بعد الله تعالى اعتمادا كاملا، ومخرجات هذه الأسر هم بناة الأوطان وحماة الثغور، وهذا الوالد وهذه الوالدة هما اللذان يستحقان التكريم والذكر للقدوة.
غفلة الزوجين:
وشدد فضيلته على أن الذي يهدم جدران الأسر ويفكك اجتماعها هو زوج غافل مهمل في بيته وولده وزوجته لا يدري ما يدور في بيته وما يقال وما يذاع من شؤون الخدم والأغاني والإهمال، ولا يدري أين يذهب الأبناء ومن يجالسون حتى ساعات الليل المتأخرة، بيت خلا من راعيه ومدبر شؤونه، يسرح ويمرح في شهواته المحرمة وغفلته ودنياه وتضييع أماناته، لا يدري عن زوجة مسكينة ضيع حقها في نفسها يدخل يلعن ويشتم ويخرج يلعن ويشتم، وجه عبوس ونفس ضيقة وصدر لا يتسع إلا لمن كان خارج بيته، يطرق الشيطان باب زوجته بإلحاح لتلتفت إلى دروب الغواية والضياع، زوج لا هم له إلا نفسه ودنياه وأكله وشربه.
وتساءل فضيلته في السياق نفسه، قائلاً: "فأين حق الله تعالى فيمن يعول في زوجته وأبنائه؟"، وقال: فهل الزواج بيت تلقى فيه زوجه وأولاد فقط بلا راع أو عائل، أبناء لا يرون أباهم إلا نائما ولا يرون فيه مروءة الرجال وشيم الأكارم ولا استقامة المؤمنين، ولا يرون فيه كما يرى بقية الأبناء في آبائهم من اهتمام ورعاية بهم وبأمهم وبيتهم وسمعتهم، والد لطخ سمعته وأبناءه وزوجته وأهله، كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول".
إهمال الزوجة:
وقال في السياق نفسه: "إن من يهدم أركان الأسرة ويهدم بنيانها أيضا الزوجة إذا كانت غافلة مهملة عن دينها وواجب أسرتها، لا تدري عن البيت وما يدور فيه من شؤون خاصة وعامة، ولا تدري أين يذهب أبناؤها ومن يرافقون، ولا تبالي بالبنات وما يشاهدن ويطالعن، بيت خوى أو خلا من راعيته ومدبرة شؤونه، همها الخروج والتزين وسماع ما يصد عن سبيل الله، ضيعت حق ربها في العبادة كما ضيعت حق زوجها في قضاء وطره، فألجأته إلى الشيطان يقود عنانه إلى الفواحش والكبائر والسخط، أين حق الله وزوجها وأبنائها، يقول عليه الصلاة والسلام: "يا معشر النساء تصدقن وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، قالت امرأة منهن: "ما لنا أكثر أهل النار؟ قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن"، قالت: ما نقصان العقل والدين؟ قال: "شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي" رواه مسلم.
تحصين الأسرة:
ونصح المصلين في ختام الخطبة بأن يلتفتوا إلى أمر الله ورسوله في شؤون الأسرة، وأن يحصنوا أنفسهم وأهليهم وأبناءهم من مصائب هذه الأزمان وفتن هذه الأيام، بالعمل بشرع الله ورسوله والالتفات إلى خصوصيات الأسر والاهتمام بشؤون الأزواج والزوجات.
وقال: "إن الأمر جد خطير، فإنه إذا أهمل الراعي أو الرعية تولى الشيطان زمام الأمور، فاحذروا واحذروه واطردوه من بيوتكم بطرد الإهمال واللا مبالاة، واعمروا بيوتكم وحصِّنوا أسركم بما أوصاكم به الله ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}.
/أ.ع