

شهدت الجلسة الرابعة من جلسات الخيمة الخضراء، ضمن برنامج «لكل ربيع زهرة» عضو مؤسسة قطر، نقاشًا موسعًا تناول مخرجات قمة المناخ (COP30) التي انعقدت في مدينة بيليم البرازيلية خلال شهر نوفمبر الماضي. دار حوار حول ما حملته القمة من مبادرات نوعية وما واجهته من تحديات، مع قراءة تحليلية لأبرز النتائج في أربعة محاور رئيسية شملت: إطلاق صندوق حماية الغابات، ومدى التزام الدول بتعهداتها المناخية، ودور الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية في تحقيق الاستدامة، إضافة إلى قضية الوفاء بالالتزامات المتعلقة بخفض الانبعاثات والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وصولًا إلى استعراض موقف العالم العربي من مخرجات قمم المناخ.
وأكد الدكتور سيف بن علي الحجري، رئيس البرنامج، أن من بين أبرز الآليات التي برزت في سياق الجهود الدولية صندوق حماية الغابات، بوصفه أداة تمويلية مهمة لدعم الحفاظ على الموارد الطبيعية وتعزيز صون النظم البيئية، مشددًا على أن فاعلية مثل هذه المبادرات ترتبط بمدى التزام الدول بالاتفاقيات والمعاهدات البيئية التي وقعت عليها، بما يعزز التعاون الدولي في مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.
وأوضح أن النقاش تطرق كذلك إلى الأهمية المحورية لدور الشعوب الأصلية والمعارف التقليدية المتوارثة في تحقيق الاستدامة البيئية، إذ تمثل خبرات الأجداد وأساليبهم المتوازنة في التعامل مع الطبيعة نموذجًا عمليًا لاحترام البيئة واستثمار مواردها دون استنزافها، مبينا أن هذه المجتمعات اعتمدت عبر تاريخها على توظيف الموارد المحلية المتاحة بكفاءة، وطوّرت ممارسات وسلوكيات حافظت على التنوع الحيوي وصانت النظم البيئية عبر الأجيال.
وأشار إلى أن تقدير هذه المعارف وإدماجها ضمن السياسات البيئية المعاصرة يُعد خطوة جوهرية نحو تحقيق تنمية مستدامة تراعي التوازن بين الإنسان والطبيعة.
وبيّن المشاركون أن آثار التغير المناخي بطبيعتها عابرة للحدود، ولا توجد دولة بمنأى عن تداعياتها السلبية، مؤكدين أن مخرجات قمم المناخ تمثل خطوة مهمة على مستوى الإطار السياسي، غير أن قيمتها الحقيقية تظل مرهونة بترجمتها إلى إجراءات تنفيذية ملموسة على أرض الواقع. واعتبروا أن القمة شكلت محطة مفصلية في الاعتراف بالدور الحيوي للغابات، لاسيما الغابات الاستوائية، في استقرار النظام البيئي العالمي، فهي منظومات حيوية متكاملة تسهم في إنتاج الغذاء، وتنظيم المناخ، وحفظ التنوع البيولوجي، ودعم سبل عيش المجتمعات المحلية والسكان الأصليين.
وأشار المتحدثون إلى أن فكرة «صندوق حماية الغابات» انبثقت خلال مناقشات مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين (COP28) الذي استضافته إمارة دبي، ضمن إطار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ثم جرى تطويرها في المؤتمرات اللاحقة بهدف إحداث تحول في آليات تمويل حماية الغابات عالميًا، من خلال ربط الحوافز المالية بالحفاظ الفعلي على الغطاء الحرجي.
وأكدوا أن الاستثمار في حماية الغابات لا يُعد التزامًا بيئيًا فحسب، بل يمثل استراتيجية تنموية طويلة المدى تدعم الاستقرار المناخي، وتعزز الاقتصاد الأخضر، وتحمي المجتمعات المحلية.
كما تناول النقاش دور الاقتصاد الدائري في خفض الانبعاثات، حيث أشار المشاركون إلى أن نسبة المواد المعاد تدويرها عالميًا لا تتجاوز 7.2% من إجمالي المواد المستخدمة في الاقتصاد العالمي، وهو ما يعكس وجود إمكانات واسعة وغير مستغلة للتخفيف من آثار تغير المناخ عبر تبني نماذج إنتاج واستهلاك أكثر دائرية وكفاءة. واستعرضوا في هذا السياق التشريعات والمبادرات الوطنية، موضحين أنه في دولة قطر أطلقت وزارة البيئة والتغير المناخي مناقصات عامة لعام 2026 لمعالجة المياه الصناعية وفق مبادئ الاقتصاد الدائري، إلى جانب تنفيذ برامج لاحتجاز الكربون عبر قطر للطاقة.
وأشار المتحدثون إلى أن تبني سياسات الاقتصاد الدائري في قطر ينسجم مع مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030 الرامية إلى تنويع الاقتصاد، وتعزيز كفاءة استخدام الموارد، وتقليل النفايات والتلوث، وخفض الانبعاثات، مؤكدين أن الدولة أطلقت حزمة من المبادرات المتكاملة عبر مختلف القطاعات لدعم هذا التحول، مع تقديرات تشير إلى إمكانية تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة بحلول عام 2030.
وفي محور التوعية والتعليم، شدد المشاركون على أهمية دمج مفاهيم حماية البيئة والاستدامة في المناهج الدراسية، بما يسهم في بناء جيل أكثر وعيًا وقدرة على التعامل مع التحديات البيئية. وأكدوا أن ترسيخ مفهوم الاستدامة يجب أن يتجاوز الطرح النظري ليصبح ممارسة عملية وسلوكًا يوميًا.
واختتمت الجلسة بالتأكيد على أن حماية البيئة ليست قضية منفصلة عن حياة الإنسان، بل هي جزء لا يتجزأ من جودة حياته واستقراره، وأن النجاح الحقيقي يتحقق عندما تتكامل سياسات الحكومات مع وعي المجتمع، ويُربّى الجيل الجديد على إدراك أن مصير الإنسان والطبيعة واحد، وأن صون البيئة هو في جوهره صون لمستقبل البشرية.