إفريقيا الوسطى.. بوسنة جديدة أم رواندا أخرى؟

alarab
حول العالم 01 مارس 2014 , 12:00ص
الدوحة - قنا
لم تعد القارة السمراء المبتلاة بالنزاعات والصراعات العرقية والإثنية وحتى الدينية تتحمل بؤرة جديدة من تلك الصراعات الدامية، التي صبغت وجه القارة بالاحمرار القاتل وأخّرتها عشرات السنين عن اللحاق بركب التطور والنهوض الحضاري والإنساني. فلا تكاد القارة ترتاح من نزاع تتم معالجته والسيطرة عليه بطريقة أو بأخرى في منطقة ما من القارة حتى تنفجر في وجهها بؤرة صراع جديدة.. فبعد الأزمات والنزاعات من ليبيريا وسيراليون وساحل العاج ومالي والكونجو وأنجولا ونيجيريا وجنوب السودان ومن قبلها رواندا، برزت على سطح الأحداث أزمة صراع أخرى توشك أن تتحول إلى حرب أهلية. فها هي جمهورية إفريقيا الوسطى دخلت كارهة أو طائعة دوامة صراع عرقي ديني مقيت أودى بحياة المئات من مسلمي هذا البلد الإفريقي على يد مواطنيهم من ميليشيات مسيحية مسلحة، بعد أن دبت الفوضى في أوصال الدولة هناك مما اضطرت معها فرنسا إلى التدخل عسكريا لحفظ أمن البلاد وحماية الدولة من الانهيار، وليتها حققت الهدف أو فعلت ما يحققه. واليوم ومع اشتداد الأزمة في إفريقيا الوسطى على خلفية تفاقم النزاع الديني والعرقي فيها، تستعد فرنسا لإرسال 800 جندي إضافي دعما للقوات الإفريقية الدولية هناك والمعروفة باسم «ميسكا»، وذلك استنادا إلى قرار من الأمم المتحدة ينتظر صدوره الأسبوع المقبل. وفي هذا الصدد اعترف وزير الدفاع الفرنسي جون إيف لودريان بأن الدولة تنهار وهناك بوادر مواجهة دينية.. مشيراً إلى أن جمهورية إفريقيا الوسطى تمر حاليا بوضع خطير جدا، واصفا الوضع الداخلي فيها بأنه في حالة انهيار مما قد ينذر بتفكك الدولة، حيث الانتهاكات والمجازر والفوضى التي تمس الوضع الإنساني وتعقب الانهيار. وبحسب مسؤولين في الاتحاد الإفريقي، فإن الأمن منعدم بالكامل حاليا في إفريقيا الوسطى.. لافتين إلى وقوع جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية تجري الآن في هذا البلد، الذي يعيش حالة من الفوضى منذ الإطاحة بالرئيس فرانسوا بوزيزي. ويقول ممثل جمهورية إفريقيا الوسطى في الأمم المتحدة ميسمين دمباسا إن تقرير الأمين العام المتعلق بآخر التطورات والمواقف التي اتخذتها فرنسا والولايات المتحدة، يؤشر إلى حالة قريبة من وقوع إبادة جماعية إذا لم تتخذ مبادرات لمجابهة الوضع. وتشهد إفريقيا الوسطى أعمال عنف منذ أن وصل قائد حركة التمرد المسلحة المسماة «سيليكا» ميشال جوتوديا إلى الحكم عن طريق انقلاب وأضحى رئيسا انتقاليا، حيث أثارت تجاوزات المتمردين توترات دفعت المسيحيين الذين يمثلون أغلبية في البلاد، إلى تشكيل مجموعات دفاع ذاتي تهاجم المسلمين وترتكب بحقهم عمليات قتل ونهب وتهجير من قراهم. وتتخوف أوساط دولية مهتمة بالشأن الإفريقي من أن تتحول بؤرة الصراع الحالية في جمهورية إفريقيا الوسطى إلى ما يشبه «سبرينيتشا إفريقية»، أي بؤرة لتطهير عرقي مثلما حدث في منطقة البوسنة والهرسك قبل سنوات.. كما تخشى هذه الأوساط من أن تتحول هذه البؤرة إلى مركز احتضان وانطلاق لحركات مسلحة «جهادية» تستغل الدفاع عن المسلمين لإرساء مفهوم الجهاد هناك.. ويشار في هذا السياق إلى قيام عدة أوساط إسلامية جهادية بتوجيه أصابع الاتهام إلى فرنسا لتسببها على حد قول تلك الأوساط في هذا الوضع المأساوي الذي يرزح تحت وطأته مسلمو إفريقيا الوسطى. وكانت الأمم المتحدة وجمعيات حقوقية وإنسانية دولية وبعض الدول المجاورة لإفريقيا الوسطى وحتى بعض الكنائس المسيحية في العالم، قد حذرت من مغبة تعرض المسلمين في هذا البلد الإفريقي لتصفية عرقية خطيرة. يذكر أن ميليشيات مجموعة «أنتي بلاكا» المعادية للمسلمين في إفريقيا الوسطى تقوم بتعقب اللاجئين الفارين من المسلمين من مدنهم وقراهم إلى شمال البلاد خاصة في العاصمة بانغي، حيث يدفعونهم إلى النزوح نحو تشاد المجاورة وبعض دول الجوار والمناطق الأخرى.. ويزعم مسلحو «أنتي بلاكا» أنهم ينتقمون مما فعله المسلمون عندما كانوا في السلطة حتى نهاية نوفمبر الماضي. أما المسلمون في هذا البلد الإفريقي فيتهمون القوات الفرنسية التي دخلت مؤخرا إلى بلادهم بالمسؤولية عن الجرائم وأعمال القتل التي ترتكبها الميليشيات المسيحية بحقهم، لأن القوات الفرنسية قامت منذ دخولها بتجريد المسلمين من كل الأسلحة خلال شهر ديسمبر الماضي إثر تدخلها عسكريا لضبط الأوضاع الأمنية المتدهورة في هذا البلد، حيث فرضت تلك القوات على مسلحي حركة «سليكا» المسلمة مغادرة العاصمة بانغي.. كما أنها لم توفر الحماية والأمن نهائيا للمدنيين المسلمين في العاصمة أو سواها من المدن والقرى. ويبدو أن المعطيات الراهنة على أرض الواقع في إفريقيا الوسطى تشير إلى أن القادم ربما يكون أسوأ، حيث تدل الوقائع العسكرية الميدانية على أن العاصمة بانغي أخذت تتحول إلى ما يشبه «سبرنيتشيا» بسبب ملاحقة الميليشيات المسيحية للمسلمين، مما قد يرجح احتمال توسع نطاق ما تشهده العاصمة من أعمال تصفية عرقية بحق المسلمين تدريجيا، لتطال بالتالي مساحة البلاد وكافة مناطقها وكأنها منطقة بلقان جديدة، الأمر الذي حدا بالأمم المتحدة إلى اعتبار الوضع في جمهورية إفريقيا الوسطى مأساويا وجعلته في مستوى الوضع الراهن في سوريا.. وبدورها حذرت مندوبة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة سامنتا بويز أكثر من مرة في الفترة الأخيرة من خطر التصفية العرقية في إفريقيا الوسطى.