منوعات
01 فبراير 2014 , 12:00ص
إعداد: الدكتور العربي عطاء الله
واحة النفس.. صفحة لجميع القراء
تعمل على توفير التواصل السريع المستمر ، ومساعدة أصحاب المشكلات على تجاوز هذه الصعوبات .
كما أنها تهدف إلى زيادة الوعي النفسي والاجتماعي والتربوي من خلال تقديم المعلومات الصحيحة والحديثة والمتنوعة .
وتتشرف صفحة واحة النفس بالاستفادة من ملاحظات وآراء القراء الكرام في دعم رسالتها ونجاحها .
نستقبل أسئلتكم ومشكلاتكم وتعليقاتكم على الإيميل أو على الفاكس وسنتعامل معها بكل سرية وأمانة .
يمكنكم التواصل عبر الإيميل: lkohidri@sch.gov.qa
.......................................
الأسرة والراحة النفسية
إن وجود الأسرة هو امتداد للحياة البشرية وسر البقاء الإنساني، فكل إنسان يميل بفطرته إلى أن يَظْفَرَ ببيتٍ وزوجةٍ وذريةٍ، ولما كانت الأسرة اللبنة الأولى في بناء المجتمع لكونها رابطة رفيعة المستوى محددة الغاية، فقد رعتها الأديان عموماً؛ وإن كان الإسلام تميز بالرعاية الكبرى، قال تعالى: {إنَّا عرضنا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ والجِبَالِ}، جاء ضمن معاني الأمانة؛ أمانة الأهل والأولاد، فيلزم الولي أن يأمر أهله وأولاده بالصلاة، ويحفظهم من المحارم واللهو واللعب. إن وجود الأسرة هو امتداد للحياة البشرية وسر البقاء الإنساني.
ومسألة الاهتمام بالأسرة من القضايا العالمية التي زاد الحديث حولها؛ لاسيَّما في العصر الحاضر، وذلك على مستوى الدول والهيئات والمنظمات الدولية؛ حيث تحاول كل منها إيجاد صبغة من عند أنفسها، من ذلك رفعها لشعارات الحريـة والمسـاواة؛ ودعواها إلى نبذ الأسرة التقليدية وتطوير بنائها، أو دعوى تحرير الأسرة المعاصرة من القيود وتعويضها بعلاقات شاذة محرمة.
وإِنَّ التأكيد على أهمية دور الأسرة في رعاية الأولاد، لمن أَجَلِّ الأمور التي يجب أن تتضافر جهود الآباء والأمهات، وأهل العلم، والدعاة، والتربويين، والإعلاميين؛ للمحافظة على بناء الأسرة الصالحة في المجتمع، فهي أمانة أمام الله -تعالى- نحن مسؤولون عنها، فالمرء يُجزى على تأدية الحقوق المتعلقة بأسرته، إِنْ خيراً فخير وإلا غير ذلك، قال تعالى {يأَيُّهَـا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَة}.
فطر الله -عز وجل- الناس على حب أولادهم قال تعالى: {المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدنيا}، ويبذل الأبوان الغالي والنفيس من أجل تربية أبنائهم وتنشئتهم وتعليمهم، ومسؤولية الوالدين في ذلك كبيرة، فالأبناء أمانة في عنق والديهم، والتركيز على تربية المنزل أولاً، وتربية الأم بالذات في السنوات الأُوَل، وكما ذكر الإمام أبو حامد الغزالي في وصف تربية الأبناء على أن قلوبهم الطاهرة جواهر نفيسة خالية من كل نقش وصورة، وهم قابلون لكل ما ينقش عليها، فإن عُوِّدُوا الخير والمعروف نشؤوا عليه وسُعِدوا في الدنيا والآخرة، وشاركوا في ثواب والديهم، وإن عُوِّدُوا الشر والباطل، شقوا وهلكوا، وكان الوِزْرُ في رقبة والديهم، والوالي لهم.
ويمكن القول بأن للأسرة دوراً كبيراً في رعاية الأولاد -منذ ولادتهم- وفي تشكيل أخلاقهم وسلوكهم، وما أجمل مقولة عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- «الصلاح من الله والأدب من الآباء». ومن يُحَلِّل شخصية صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- فإنه سيجد أن سر نجاحه وتميزه سببه التربية التي تلقاها في البيت، وما أجمل عبارة: «إن وراء كل رجل عظيم أبوين مربيين»، وكما يقول بعض أساتذة علم النفس: «أعطونا السنوات السبع الأولى للأبناء نعطيكم التشكيل الذي سيكون عليه الأبناء». وكما قيل: «الرجال لا يولدون بل يُصنعون».
للوالِدَيْنِ في إطارِ الأسرة أساليبُ خاصة من القيم والسلوكِ تجَاهَ أبنائهم في المناسباتِ المختلفةِ، ولهذا فإن انحرافاتِ الأسرةِ من أخطرِ الأمور التِي تُوَلِّدُ انحرافَ الأبناءِ.
فالتوجيهُ القيمي يبدأُ في نطاقِ الأسرةِ أولاً، ثم المسجد والمدرسة والمجتمع. فالأسرةُ هي التي تُكْسِبُ الطفلَ قِيَمَهُ فَيَعْرِفُ الَحقَ والبَاطلَ، والخيرَ والشرَ، وَهو يَتلَّقَى هذه القيمِ دونَ مناقشةٍ في سِنيهِ الأولى، حيث تتحددُ عناصرُ شخصيتِهِ، وتتميزُ ملامحُ هويتِهِ على سلوكه وأخلاقه؛ لذلك فإن مسؤولية عائل الأسرةِ في تعليمِ أهلِهِ وأولاده القيم الرفيعة، والأخلاق الحسنة، وليس التركيز فقط على السعيِ من أجل الرزق والطعام والشراب واللباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم»، وكان يقول صلى الله عليه وسلم لأصحابه -رضوان الله عليهم: «ارجعوا إلى أهلِيكُم فأقيمُوا فيهم وَعَلِّمُوهم».
ويقول ابن القيم -رحمه الله: «فمن أهملَ تعليمَ ولدِهِ ما ينفعه، وَتَرَكَهَ سُدى، فقد أَساءَ إليه غايةَ الإساءة، وأكثرُ الأولادِ إِنما جاء فسادُهُم من قِبَلِ الآباءِ وإهمالِهِم لهم، وتركِ تعليمِهِم فرائضَ الدينِ وَسُنَنَه، فأضاعوها صغاراً، فلم ينتفعوا بأنفسِهِم ولم ينفعوا آباءَهُم كِبَاراً.
.......................................
الحكمة مطلوبة في علاج مشاكل الشباب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
دكتور أشكركم على الجهد الذي تبذلونه في الرد على الاستشارات، ولكن هناك موضوع يؤرقني ويتعبني وهو الواقع المرير الذي نعيشه خاصة شبابنا يحزنني، وما أدري ما العمل أرجو نصيحتي.. وشكراً. أختكم/الحزينة.
الإجابة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. أختي الفاضلة الحزينة حفظك الله ورعاك، وأشكرك على تواصلك معنا، وإن شاء الله تعالى نكون عوناً لكِ للتخلص من مشكلتك التي تعانين منها، وأساله تعالى أن يرزقك بما تقر به عيناكِ ويحقق لكِ أمانيكِ، وما ذلك على الله بعزيز.
أريدك أن تغيري اسمك من الحزينة إلى المتفائلة، حتى تسمو روحك ويطمئن قلبك وتعيشي في سعادة، وحاولي أن تبعدي عنك الأفكار السلبية التشاؤمية، وتفائلي بالخير تجديه إن شاء الله تعالى.
شكراً لكِ أيتها المتفائلة على هذا الاهتمام بشباب الأمة، وفي حقيقة الأمر مثل هذا السؤال يحتاج إلى صفحات وصفحات للإجابة عليه، ولكن نحاول أن نكتفي ببعض الجوانب الرئيسية.
لقد عنى الإسلام كل العناية ببث الأخلاق الكريمة، وغرس الفضائل في نفوس الشباب، وتعويدهم على التمسك بالفضيلة وتجنب الرذيلة في الناحية الروحية والإنسانية، وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم الأخلاق، والخلق الطيب يدعونا إلى أداء الواجب وإتقان العمل وتحمل المسؤولية والحرص عليها، ويدعونا أيضاً إلى حسن التعامل، وقد ذكر أحمد شوقي في بيته المشهور:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هموا ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وإن النفس عرضة للإصابة بأنواع العلل والأمراض النفسية التي تخرجها عما ينبغي إلى ما لا ينبغي من الأخلاق والسلوك، وينتج هذا عدم تكيف الشاب مع نفسه، فيكون قلقاً متشائماً منقبض النفس، ويفقد تكيفه مع بيئته الاجتماعية، فيكون منطوياً أو عصبياً أو منحرفاً أو مستهتراً غير مبال بالقيم الاجتماعية والأخلاقية والعادات الاجتماعية.
والنفس قبل أن تُصاب بهذه العلل والأمراض أو بواحدةٍ منها تكون صحيحة سليمة متكيفة مع الأوضاع، وعلى العاقل أن يحافظ على سلامتها؛ إذ إن الوقاية خيرٌ من العلاج، وهنا يكمن دور الموجه والمرشد والناصح الأمين الذي يأخذ بأيدي الشباب إلى بر الأمان، إلا أنه ينبغي على الموجه أو المرشد أو المربي أن يلتزم ببعض الصفات منها:
1- الحكمة في علاج المشكلة، والصبر في التعامل معها ليكون توجيهه مثمراً وناجحاً.
2- الموعظة الحسنة، فإن القلوب لها مفاتيح ومغاليق، وأرجى مفاتيحها الموعظة الحسنة، فيشعر المستمع بلذة الأمن والراحة والاستقرار بالرجوع إلى الله واللجوء إليه.
3- الجدال بالتي هي أحسن وبلا تحامل على الشباب، ودون اتهام، فيناقش المشكلة بكل موضوعية لكي يصل إلى الحل الأنجع.
4- البدء بالأهم ثم المهم، وفي هذا التدرج حكمة لإخراج الأمراض والعلل من نفوس الشباب، وإدخال العلاج النافع.
إذا نحن تتبعنا هذه الخطوات أختي المتفائلة نستطيع أن نحتوي المشاكل التي يعاني منها الشباب، ونأخذ بأيديهم إلى النجاة بإذن الله تعالى.
أما عن المشكلات التي يعاني منها الشباب، فهذه توجيهات ونصائح لعلها تجد القلب الواعي والأذن الصاغية:
1- يجب على الوالدين الاهتمام بأبنائهم ومتابعتهم في البيت والمدرسة والشارع، ومناقشتهم لمعرفة ما يدور في أذهانهم.
2- حث الشباب على التمسك بالمنهج الإسلامي والالتزام بشعائر الإسلام وأداء الصلوات في أوقاتها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
3- اختيار الصحبة الصالحة.
4- تربية الشباب على التربية الإيمانية الصحيحة حتى تطمئن قلوبهم ويشعروا بالسعادة.
5- أن يكون يقظاً واعياً صحيح النية عند الإقدام على أي عمل.
6- الاستفادة من أوقات الفراغ خاصة في الإجازات واستثمارها فيما يعود بالنفع عليه وعلى أمته.
وبالله التوفيق
.......................................
حسن الظن بالآخرين
الإسلام دين يدعو إلى حسن الظن بالناس والابتعاد كل البعد عن سوء الظن بهم؛ لأن سرائر الناس ودواخلهم لا يعلمها إلا الله تعالى وحده. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} سورة الحجرات الآية 12.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا». رواه البخاري.
فسوء الظن يؤدي إلى الخصومات والعداوات، وتقطع الصلات، قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} سورة النجم الآية 28.
وليس أريح لقلب العبد في هذه الحياة ولا أسعد لنفسه من حسن الظن، فبه يسلم من أذى الخواطر المقلقة التي تؤذي النفس، وتكدر البال، وتتعب الجسد.
قال تعالى {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} سورة الأنعام الآية 117.
قال الشافعي رحمه الله:
لِسَانَكَ لا تَذْكُرْ بِهِ عَورَةَ امرئ ** فَكلُّكَ عَـوْرَاتٌ وَلِلنَّـاسِ أَلْسُــنُ
وَعَـينكَ إنْ أَبْـدَتْ إَلَيكَ مَعَـايِباً ** فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْينُ
إن حسن الظن بالناس يحتاج إلى كثير من مجاهدة النفس لحملها على ذلك خاصة أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ولا يكاد يفتر عن التفريق بين المؤمنين والتحريش بينهم، وأعظم أسباب قطع الطريق على الشيطان هو إحسان الظن بالمسلمين.
كان معروف الكرخي جالساً يوماً على دجلة ببغداد فمر به صبيان في زورق يضربون بالملاهي ويشربون فقال له أصحابه: أما ترى هؤلاء يعصون الله تعالى على هذا الماء؟ ادع عليهم فرفع يديه إلى السماء وقال: الهي وسيدي كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة. فقال له أصحابه: إنما سألناك أن تدعو عليهم ولم نقل ادع لهم، فقال: إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا ولم يضركم هذا.
إن سوء الظن يحمل على التجسس والتحسس والغيبة والتحاسد والتباغض والتدابر، ويقطع العلاقة بين المتآخين. ةقد قال أحد الحكماء إنه «وَمَنْ حَكَمَ بِشَرٍّ عَلَى غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ حَمَلَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى احْتِقَارِهِ وَعَدَمِ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ وَالْتَوَانِي فِي إكْرَامِهِ، وَإِطَالَةِ اللِّسَانِ فِي عِرْضِهِ وَكُلُّ هَذِهِ مُهْلِكَاتٌ».
وبسبب سوء الظن -إن كان اعتقاداً في أحوال الناس- قد يخسر الإنسان الانتفاع بمن ظنه ضاراً، أو الاهتداء بمن ظنه ضالاً، أو تحصيل العلم ممن ظنه جاهلاً ونحو ذلك، ولذلك فإن على الإنسان أن يحذر من هذه الآفة الضارة بالدين والدنيا، وأن يحرص على سلامة صدره على إخوانه؛ ليعش هانئ البال، مرتاحاً مطمئن النفس، بعيداً عن منغصات الحياة، سالماً من عناء البحث عن عورات المسلمين وتتبع عثراتهم.
ومن الأسباب المعينة على حسن الظن:
1- إنزال النفس منزلة الخير.
2- حمل الكلام على أحسن المحامل.
3- التماس الأعذار للآخرين.
4- تجنب الحكم على النيات.
5- استحضار آفات سوء الظن وعدم تزكية النفس.