أكدوا ضرورة إيجاد مسارات بديلة لمضيق هرمز .. خبراء: قطر شريك أساسي في ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية

alarab
اقتصاد 29 مارس 2026 , 02:23ص
الدوحة- قنا

تلقي التوترات في الشرق الأوسط بظلالها على الأسواق العالمية، في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والاقتصادية، مما يجعل أمن الطاقة أحد أهم مرتكزات الاستقرار الدولي.
ولم يعد مفهوم أمن الطاقة محصورا في وفرة الموارد أو القدرة على الإنتاج، بل أصبح مرتبطا بشكل وثيق بمدى مرونة الأنظمة الطاقية، وتكاملها، وقدرتها على التكيف مع الأزمات.
وانطلاقا من هذه الأهمية لأمن الطاقة وضمان إمداداتها، قدم خبيران في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية «قنا» تصورات وقراءات قد تساعد على التأقلم مع أزمة وصول مصادر الطاقة من مواقع إنتاجها إلى المستهلكين في مختلف أرجاء العالم، وتجنب الاقتصاد الدولي صدمة قد تطيح بأعلى نسب النمو تفاؤلا.
وأكدا على أن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الدول المنتجة اليوم لم يَعُد مقتصرا على القدرة على إنتاج الطاقة، بل أصبح يكمن في قدرتها على إيصالها بأمان واستمرارية.
ولفت الخبيران إلى أن الدول التي ستقود المرحلة المقبلة هي تلك التي تنجح في الانتقال من نموذج «الإنتاج والتصدير» التقليدي إلى نموذج «المنظومة المرنة متعددة المسارات»، وهي منظومة قادرة على العمل حتى في أسوأ السيناريوهات، وتجعل من المرونة الاستباقية مصدرا جديدا للقوة الجيوسياسية والاقتصادية في آنٍ معا.
تحديات متزايدة
وفي هذا السياق، قال المهندس ناصر جهام الكواري الخبير في مجال النفط والغاز إن منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتها دولة قطر تبرز، في قلب هذه المعادلة، ليس فقط بوصفها مصدرا رئيسيا للطاقة، بل باعتبارها شريكاً أساسياً في ضمان استقرار الأسواق العالمية.
وأشار إلى أن التجارب الحديثة أثبتت لا سيما خلال الأزمات العالمية في قطاع الطاقة أن الأسواق لا تحتاج فقط إلى موردين كبار، بل إلى موردين يمكن الاعتماد عليهم في أصعب الظروف، وهنا تبرز قطر كنموذج متقدم في هذا المجال، يجمع بين الكفاءة التشغيلية والرؤية الاستراتيجية طويلة المدى.
وأضاف الكواري: «رغم ما تتمتع به المنطقة من وفرة في الموارد الهيدروكربونية، فإنها تواجه في الوقت ذاته تحديات متزايدة تتعلق بأمن الإمدادات، فاعتماد جزء كبير من صادرات الطاقة على ممرات بحرية حساسة، مثل مضيق هرمز، يضع هذه الإمدادات في دائرة التأثر بالتوترات الجيوسياسية، كما أن النمو المتسارع في الطلب المحلي على الطاقة، مدفوعا بالتوسع العمراني والصناعي، يفرض ضغوطا إضافية على منظومات الطاقة الوطنية».
وأوضح الكواري أن الاستثمار في البنية التحتية يشكل عاملا حاسما في تعزيز أمن الإمدادات، سواء من خلال تطوير مرافق التخزين، أو تحديث شبكات الكهرباء، أو إدخال تقنيات ذكية تتيح إدارة أكثر كفاءة للطلب والأحمال، فالأمن الطاقي لم يعد مرتبطا فقط بالإنتاج، بل بقدرة النظام ككل على الاستجابة السريعة للمتغيرات.
وتابع المهندس ناصر جهام الكواري أن تأمين سلاسل الإمداد لا يقل أهمية، خاصة في منطقة تعتمد بشكل كبير على النقل البحري ما يستلزم تنويع مسارات التصدير، وتعزيز جاهزية الموانئ والمنشآت الحيوية، بما يضمن استمرارية التدفقات حتى في أوقات التوتر.

 خطر أمن الطاقة
بدوره، اعتبر الدكتور عمر خليف غرايبة أستاذ المالية في كلية الأعمال بجامعة آل البيت بالأردن، أن خطر أمن الطاقة لم يعد مرتبطا فقط بالقدرة على الإنتاج، إنما أيضا أصبح مرهونا بالمنظومة بأكملها، سواء الإنتاج أو النقل أو التصدير، ومرهونا بالاستجابة السريعة للأزمات، في ظل المخاطر الجيوسياسية، وتصاعد التهديدات على الممرات الحيوية، والمنشآت النفطية، والإنتاج، والتكرير.
وقال غرايبة إن هذا التوجه يتطلب أولا إيجاد مسارات بديلة من خلال توسيع الاعتماد على خطوط الأنابيب البرية التي تتجاوز مضيق هرمز، عبر نقل النفط والغاز إلى موانئ على بحر العرب والبحر الأحمر، مما يخلق بوابات تصدير بمنأى عن مناطق الاختناق، وتطوير موانئ تصدير خارج نقاط الازدحام الجيوسياسي، لتقليل الاعتماد على نقطة عبور واحدة قد تتحول إلى نقطة ضغط استراتيجي، وتعزيز التكامل بين شبكات الأنابيب الإقليمية، بحيث لا تشكّل شبكة بديلة واحدة، بل «شبكة مرنة متعددة المسارات» قادرة على إعادة توجيه التدفقات ديناميكيا.
واقترح غرايبة تبني نموذج «اللامركزية التشغيلية» خيارا استراتيجيا لا غنى عنه، ويتحقق عبر توزيع مرافق المعالجة والتخزين جغرافيا بدل تركيزها في مواقع محدودة وعالية المخاطر، لتجنب تحول نقطة ضعف واحدة إلى شلل شامل، فضلا عن إنشاء وحدات تسييل ومعالجة متنقلة أو شبه متنقلة (modular systems)، تتيح استمرارية التشغيل حتى في حالات الطوارئ، وتُمكن من إعادة التموضع السريع وفقا لمتغيرات التهديد، إلى جانب تعزيز قدرات الصيانة السريعة وإعادة التشغيل (rapid recovery systems)؛ بهدف تقليل زمن التعطل من أيام إلى ساعات، وهو ما يحدث فرقا جوهريًا في أوقات الأزمات.
وأكد أن حماية المنشآت النفطية لم تعد قضية أمنية تقليدية، بل تحولت إلى هندسة دفاعية متقدمة تشمل دمج أنظمة الدفاع الجوي والحماية السيبرانية مع منظومات الطاقة الحيوية في تصميم موحد، وليس طبقات منفصلة، وكذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ المسبق بالهجمات أو الأعطال التشغيلية قبل وقوعها، عبر تحليل أنماط التهديد والسلوك الشاذ وبناء غرف عمليات موحدة لإدارة الأزمات تربط بين قطاعات الطاقة والدفاع والأمن السيبراني والداخلية، بحيث تكون الاستجابة لحظية ومتزامنة.