فن يطرح أسئلة لا إجابات.. الناقد د. مرزوق بشير لـ «العرب»: الأزمات تعيد تعريف المسرح.. والمنصات الرقمية ليست بديلاً

alarab
المزيد 27 مارس 2026 , 02:23ص
محمد عابد

ارتباط يوم المسرح العالمي بـ «مهرجان الدوحة» يعكس مسيرتنا الممتدة 

المبادرات الصغيرة تحفظ وهج الفكر المسرحي في أوقات التراجع

«أبو الفنون» ذاكرة إنسانية مشتركة تجمع الناس في فضاء واحد

 

في السابع والعشرين من مارس من كل عام يحتفي المسرحيون حول العالم باليوم العالمي للمسرح، غير أن احتفال هذا العام يأتي في ظل ظروف أثّرت على إيقاع الحياة الثقافية وعلى حضور الفعاليات الفنية في الفضاء العام.
وبينما تبدو الخشبات أقل حركة مما اعتاد الجمهور، يطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً حول معنى الاحتفال بالمسرح في زمن التوقف، وحول قدرة هذا الفن العريق على الاستمرار في أداء دوره الثقافي والإنساني حول هذا الموضوع حاورت
«العرب» الناقد الدكتور مرزوق بشير بن مرزوق الكاتب والباحث في الدراما والإعلام، والذي تناول دلالات الاحتفاء بالمسرح في لحظة تبدو فيها العروض محدودة، مستعيداً محطات من تاريخ الحركة المسرحية في قطر، منذ بدايات الثمانينيات وصولاً إلى ارتباط المناسبة بمهرجان الدوحة المسرحي بوصفه الإطار الأبرز لتقديم التجارب المسرحية الجديدة ومناقشة قضايا الفن والمجتمع.
كما توقف الكاتب الدكتور مرزوق بشير، أمام رسالة اليوم العالمي للمسرح لهذا العام التي كتبها الممثل والمسرحي الأمريكي وليم دافو، وما حملته من تأكيد على خصوصية العلاقة بين الممثل والجمهور، في زمن تتسع فيه المنصات الرقمية وتتراجع فيه مساحات اللقاء الإنساني المباشر، فضلا عن بحث العلاقة بين المسرح والتكنولوجيا، ودور المبادرات الصغيرة في إبقاء الفكر المسرحي حياً، ومسؤولية المسرحيين في تعزيز التماسك المجتمعي في مثل هذه الأوقات وغيرها وإلى نص الحوار:

◆ يأتي الاحتفال باليوم العالمي للمسرح هذا العام في ظل ظروف أثّرت على إيقاع الحياة الثقافية. كيف تقرأ هذه المفارقة؟
¶ بالفعل نحن نحتفل بالمسرح في السابع والعشرين من مارس في وقت تبدو فيه خشباته أقل حركة مما اعتدنا عليه. لكن هذه المفارقة ليست جديدة في تاريخ المسرح. فهذا الفن لم يكن يوماً مجرد عرض يُقدَّم على خشبة مضاءة، بل هو طريقة للتفكير في الإنسان والمجتمع والأزمات التي يمر بها. قد تتراجع العروض، لكن التفكير المسرحي لا يتوقف.

◆ هل يعني توقف العروض غياب المسرح؟
¶ إطلاقاً.. المسرح قبل أن يكون بناءً مادياً هو فكرة إنسانية تقوم على اللقاء بين البشر والتأمل في تجربتهم المشتركة؛ وحين تتعطل العروض، لا يختفي المسرح، بل يتحول إلى مساحة مراجعة وتأمل. في تاريخ المسرح لحظات كثيرة تراجعت فيها العروض، لكن الفكر المسرحي ازداد عمقاً، وولدت لاحقاً تجارب أكثر نضجاً ووعياً.

◆ ماذا عن التجربة القطرية في الاحتفاء باليوم العالمي للمسرح؟
¶ في قطر لم يكن الاحتفال بهذه المناسبة عابراً. منذ بدايات الثمانينيات شارك المسرحيون في إحياء اليوم العالمي عبر لقاءات ثقافية وقراءة رسالة اليوم العالمي للمسرح وتنظيم عروض وأمسيات تجمع الفنانين والجمهور.
ومع تطور الحركة المسرحية، ارتبط الاحتفال تدريجياً بمهرجان الدوحة المسرحي، الذي أصبح الإطار السنوي لعرض التجارب الجديدة ومناقشة قضايا المسرح، وهكذا صار يوم المسرح جزءاً من سياق يعكس مسيرة المسرح في قطر ويجمع المسرحيين حول أسئلة الفن والمجتمع.
◆ رسالة اليوم العالمي للمسرح هذا العام كتبها وليم دافو. كيف تقرأ ما جاء فيها؟
¶ دافو، رغم شهرته السينمائية، يؤكد دائماً أن جذوره تعود إلى المسرح. في رسالته يتحدث عن العلاقة الفريدة بين الممثل والجمهور، وعن معنى الوقوف أمام جمهور حي حتى لو كان محدود العدد. هذه الفكرة مهمة اليوم، في زمن تتوسع فيه التكنولوجيا ووسائل التواصل إلى حد قد يربط الناس ظاهرياً لكنه يعزلهم عن اللقاء الإنساني المباشر.

◆ هل يمكن للمسرح أن ينتقل إلى المنصات الرقمية دون أن يفقد جوهره؟
¶ أعتقد أن المنصات الرقمية يمكن أن تكون امتداداً للمسرح لا بديلاً عنه، يمكن استخدامها لنشر المعرفة المسرحية، وعرض التجارب، وتوسيع دائرة الجمهور، وخلق حوارات حول الأعمال. لكن جوهر المسرح قائم على الحضور الحي والتفاعل المباشر. تسجيل عرض وبثّه لا يعادل لحظة اللقاء بين الممثل والمتفرج في فضاء مشترك.

◆ وهل يمكن اعتبار التوقف الراهن فرصة للمراجعة؟
¶ نعم، قد يكون فرصة للتفكير في وظيفة المسرح بعيداً عن الاستهلاك السريع، أحياناً يتحول المسرح إلى نشاط ترفيهي يملأ جدول الفعاليات، بينما جوهره أعمق من ذلك بكثير. المسرح فن طرح الأسئلة لا تقديم الإجابات الجاهزة. الأزمات تاريخياً كانت وقوداً لازدهار الفكر المسرحي، لأنها تدفع الفنانين إلى التساؤل: لماذا نكتب؟ ولماذا نعرض؟ وما الذي نريد قوله للمجتمع؟

◆ وماذا عن الأثر النفسي والثقافي لغياب النشاط المسرحي؟
¶ المسرح فضاء اجتماعي يلتقي فيه الناس ويتبادلون الأفكار والمشاعر. حين يغيب، يشعر المجتمع بفراغ ثقافي. والمفارقة أن هذا الغياب يكشف أهميته؛ ففي الأوقات التي يشحّ فيها حضوره ندرك قيمة اللحظة التي يجتمع فيها الجمهور ليشهد قصة تُروى أمامه مباشرة.
◆ كيف يستمر المسرح في مثل هذه الظروف؟
¶ غالباً عبر مبادرات صغيرة: ورش عمل، قراءات مسرحية، تجارب شبابية، نقاشات فكرية. هذه المبادرات قد لا تكون واسعة الانتشار، لكنها تحافظ على التفكير المسرحي حياً حتى حين تتوقف العروض الكبرى.

◆ ما الدور المطلوب من المسرحيين في هذه المرحلة؟
¶ دورهم ثقافي وفكري قبل أن يكون فنياً؛ المسرحي شاهد على المجتمع وتحولاته، من خلال أعماله يمكن أن يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي، وفتح مساحات للحوار، فالمسرح بطبيعته مساحة آمنة للحوار، لأنه يطرح الأفكار عبر الشخصيات والقصص ويتيح للجمهور رؤية نفسه والآخرين من زاوية مختلفة.

◆ كيف ترى مستقبل المسرح بعد انتهاء هذه المرحلة؟
¶ أعتقد أن العودة ستكون مختلفة. الأزمات تدفع المؤسسات والفنانين إلى مراجعة طرق العمل والتفكير في أشكال جديدة للتواصل، سواء في الإنتاج أو في العلاقة مع الجمهور أو في دعم المبادرات الشبابية. لكن جوهر المسرح سيبقى كما هو: إنسان يقف أمام إنسان ليحكي له قصة.

◆ ماذا تقول في اليوم العالمي للمسرح؟
¶ أقول إن المسرح ليس مجرد فن، بل ذاكرة إنسانية مشتركة، منذ آلاف السنين يجتمع الناس في فضاء واحد ليستمعوا إلى حكايات تعكس مخاوفهم وآمالهم وأسئلتهم الكبرى، وفي كل أزمة يعود المسرح ليذكّرنا بأن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج أيضاً إلى الحكاية، وإلى التأمل، وإلى ذلك اللقاء الإنساني البسيط حين تنطفئ الأضواء.