

أكد الفنان يوسف أحمد أحد رواد الحركة التشكيلية في قطر أن اشتغاله على خامة سعف النخيل في أعماله الفنية يتجاوز البعد التقني أو الجمالي، ليطرح سؤال الهوية بوصفه جوهر مشروعه الفني، مشددًا على أن «الخامة المحلية تمثل مدخلًا حقيقيًا لبناء خطاب بصري معاصر قادر على الوصول إلى العالمية دون أن يفقد خصوصيته».
وقال في تصريح خاص لـ «العرب» على هامش افتتاح المعرض الثنائي الذي يجمع أعماله مع أعمال الفنان المصري الراحل حازم المستكاوي، والذي ينظمه جاليري المرخية في مطافئ: مقر الفنانين، إن الفنان حين ينطلق من بيئته «يكون أكثر صدقًا وتأثيرًا»، معتبرًا أن النخلة ليست مجرد عنصر تراثي بل «منظومة رمزية وبصرية غنية قابلة لإعادة الاكتشاف».
وأوضح يوسف أحمد أن تجربته تقوم على إعادة اكتشاف خامة سعف النخيل القطري وتطويعها بصريًا وتقنيًا داخل العمل الفني، سواء عبر الورق المصنوع من السعف أو عبر «عجائن الورق» أو تقنيات الكولاج.
وأكد أن هذه الخامة ليست مجرد مادة تنفيذ، بل «كائن بصري حي» يمنحه مسارات متعددة للتجريب، قائلاً إن ثراءها يكمن في قدرتها على التحول الدائم: من ورق إلى سطح تصويري، ومن خامة تقليدية إلى بنية تشكيلية معاصرة.
وأوضح أن مشروعه الفني يقوم على تفكيك الخامة المحلية وإعادة بنائها بصريًا، لافتًا إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في البحث عن خامات جديدة، بل في «الغوص داخل الخامة نفسها واكتشاف طبقاتها غير المنتهية».
وأشار إلى أن الخامة الواحدة قادرة على إنتاج عوالم تشكيلية متعددة، مرة عبر الورق، ومرة عبر التمزيق وإعادة البناء، ومرة عبر التراكم الطبقي لعجائن الورق، وهو ما يمنحه إحساسًا دائمًا بأن التجربة لا تزال مفتوحة على احتمالات جديدة.
وعن سؤال يتعلق بتطور تجربته مع نفس المادة عبر سنوات، يوضح يوسف أحمد أن التطور لا يأتي من تغيير الخامة، بل من اكتشاف طبقاتها الداخلية وإمكانياتها غير المنتهية.
فبحسب رؤيته، الخامة الواحدة يمكن أن تنتج عوالم متعددة: مرة عبر الورق، ومرة عبر التمزيق وإعادة البناء، ومرة عبر التراكم الطبقي لعجائن الورق، مشيرًا إلى أن هذا التنوع يمنحه إحساسًا دائمًا بأن المشروع الفني لم يصل إلى نهايته بعد.
أعمال تمتد عبر الزمن
وأوضح أن المعرض يضم 15 لوحة من أعماله، تمتد عبر مراحل زمنية مختلفة، حيث يقدم أعمالًا تعود إلى عام 2013، تتسم بحضور الألوان الترابية والملامس المستوحاة من البيئة القطرية، بما يعكس ارتباطه المباشر بالمكان، وتحديدًا الصحراء كمصدر بصري وروحي.
كما يتضمن المعرض أعمالًا من عام 2016 تعتمد على تقنيات الكولاج باستخدام الورق الخفيف، حيث يبرز الحرف العربي كعنصر بصري طاغٍ، يتداخل مع التكوينات الهندسية والكتل اللونية.
وأضاف: «أما القسم الأحدث، فيعرض أعمالًا أنجزت بين عامي 2024 و2025، تقوم على تقنيات أكثر تحررًا في تشكيل سطح اللوحة عبر عجائن الورق البارزة، ما يمنح الأعمال بعدًا ملمسيًا واضحًا، ويعزز الإحساس بالحضور المادي للخامة داخل الفضاء التشكيلي».
الهوية المحلية طريق إلى العالمية
وشدد يوسف أحمد على أن اشتغاله على الخامة المحلية لا ينفصل عن فكرة الهوية، بل يمثل مدخلًا طبيعيًا نحو الحضور العالمي، موضحًا أن «الناس تحترمك عندما تقدم ما ينتمي إليك بصدق»، وأن النخلة بما تحمله من رمزية ثقافية في المجتمع القطري والخليجي تمثل عنصرًا غنيًا للتعبير الفني.
وفي حديثه عن الواقع الفني في الدوحة، أشار الفنان إلى أن الحركة التشكيلية تشهد استمرارية وتنوعًا في المشاركات والمعارض، مؤكدًا أن النشاط الثقافي لم يتأثر بسبب الأزمة الراهنة، بل ظل محافظًا على حضوره المحلي والدولي.
وأضاف أن المشهد التشكيلي في قطر يضم اتجاهات متعددة، بين من يشتغل على البيئة بشكل مباشر، ومن يذهب نحو التجريد أو البحث البصري، معتبرًا أن هذا التنوع يمثل حالة صحية تثري الساحة الفنية وتعزز حضورها محليًا ودوليًا.
هذا ويضم المعرض الثنائي 15 عملًا ليوسف أحمد و12 عملًا للفنان الراحل حازم المستكاوي، حيث تستلهم الأعمال مجتمعة من العالم الطبيعي، في حوار بصري يجمع بين تجربتين تنتميان إلى سياقين مختلفين، وتلتقيان عند فكرة التجريب عبر الخامة.
انسجام بين تجربتين
من جانبه، قال أنس قطيط، المنسق الفني لجاليري المرخية، إن المعرض يقدم انسجامًا فنيًا بين أعمال يوسف أحمد وأعمال حازم المستكاوي، قائمًا على توظيف المواد الطبيعية.
وأوضح أن أعمال المستكاوي تدعو إلى التأمل في العلاقات المكانية، وتأثير العمارة والهندسة والتصميم على الإدراك البشري، مشيرًا إلى أن تجربته تقوم على تقاطع العمارة والنحت والوهم البصري.
وأضاف أن الفنان يعيد تشكيل الفضاء عبر منشآت فنية مرتبطة بالمكان، تحقق توازنًا بين البعد الهندسي والتناسب البصري، مستلهمًا من التراث المصري القديم، مع تأثر واضح بمدارس التجريد المعاصر.
وأشار إلى أن المستكاوي يعيد صياغة عناصر تقليدية مثل المشربيات والزخارف العربية والشبكات الهندسية في تكوينات تأملية، لافتًا إلى أن اعتماده على الورق المقوى يمنح أعماله إيقاعًا بصريًا متناغمًا مع منطق الهندسة.