

في قلب الاهتمام بالتراث القطري والخليجي، يبرز «متحف الصحراء» بوصفه مساحة نابضة بالذاكرة، تستحضر تفاصيل الحياة البدوية بكل ما تحمله من قيم وعادات وممارسات أصيلة.
ويقدم الباحث في التاريخ وصاحب المتحف، عبدالعزيز البوهاشم السيد، تجربة ثقافية ثرية توثق ملامح الماضي، بدءًا من الضيافة العربية والدلة، مرورًا بحرفة السدو وبيت الشعر، وصولًا إلى الصيد والصقارة، في مشهد يعكس عمق الهوية وروح الصحراء.
بمناسبة اليوم العالمي للتراث الذي يوافق الثامن عشر من أبريل كل عام «العرب « زارت متحف الصحراء للتعرف أكثر على أهميته وأهم مقتنياته التراثية.
وأوضح السيد عبدالعزيز البوهاشم السيد، أن المتحف يتكون من ثلاثة أركان الأول هو ركن الضيافة القطرية ويعبر عنها الدلة بأنواعها، والركن الثاني هو الحرفة التي كانت موجودة في الصحراء ويعبر عنها السدو وبيت الشعر، إلى جانب الهواية ويعبر عنها تراث الصقارة وما يتعلق به.
وأكد السيد أن الضيافة تمثل جوهر القيم العربية الممتدة لآلاف السنين، مستشهدًا برمزية الكرم في الأدب العربي، من بينها سيرة حاتم الطائي. ويوضح أن القهوة أصبحت منذ نحو 500 عام رمزًا أساسيًا للضيافة، بعد أن كانت البداية بتقديم اللبن، لتتحول “الدلة” إلى عنوان رئيسي لاستقبال الضيف، فالدلة ليست مجرد أداة، بل رمز ثقافي يعكس الكرم، والأصالة، وهي أول ما يُقدَّم للضيف، وكأنها التي تستقبله.
ويشير إلى تنوع أشكال الدلال بحسب مناطق صناعتها، مثل الحساوية والبغدادية والشامية، إضافة إلى دلة “رسلان” الدمشقية التي استخدمها أهل قطر، موضحًا أن لكل دلة ختم صانعها، ما يمنحها قيمة توثيقية وفنية خاصة.
وأضاف أن المتحف يضم مجموعة واسعة من الدلال النحاسية التي يتجاوز عمر بعضها 70 عامًا، إلى جانب أدوات القهوة ومكوناتها مثل الهيل والقرنفل والزعفران، بما يعكس تفاصيل دقيقة من طقوس الضيافة.
كما يحتوي المتحف على مقتنيات نادرة تشمل:
- أدوات الصيد التقليدي والأسلحة القديمة.
- أشداد المطايا ومستلزمات الترحال.
- كتب ووثائق تاريخية يتجاوز عمر بعضها 120 عامًا.
- أرشيف متكامل عن الصقارة يضم كتبًا ومجلات وطوابع بلغات متعددة
- لوحات فنية ومقتنيات توثق حضور الصقر في الثقافة العربية.
موسوعة مصورة
ويؤكد الباحث عبدالعزيز البوهاشم السيد أن المتحف يمثل موسوعة مصورة للحياة البدوية، موثقًا ما يسميه طيف الرمال الذي تركه الأجداد في تفاصيل حياتهم اليومية وقراءة في حياة البدو، منوها بأن متحفه إلى ثلاثة محاور رئيسية تعكس مكونات الحياة البدوية:
الضيافة: ممثلة بالدلة وفنون تقديم القهوة.
الحرفة: مثل السدو ونسج بيت الشعر وهو الحرفة وأوثق هنا حياة الخيمة و»بيت الشعر».
السدو: نوثق طرق الحياكة اليدوية وأدواتها التي كانت تستخدمها المرأة البدوية، إضافة إلى مقتنيات المرأة حيث يضم هذا الجانب لوازم المرأة البدوية من حلي الذهب والفضة، بالإضافة إلى «الهودج» الذي كان يستخدم للتنقل.
والشداد والمطايا: لتوثيق أدوات ركوب الإبل (المطايا) مثل «الشداد» وكل ما يخص «السفر» قديماً.
وحول الركن الثالث الذي يخص الهواية: وتشمل الصيد والمقناص والصقارة، أشار إلى أن متحف الصحراء يولي اهتمامًا خاصًا بهذا الارث، حيث يضم أرشيفًا غنيًا يوثق هذا الموروث ليس فقط في قطر، بل في منطقة الخليج والعالم.
ويشمل الأرشيف كتبًا ودراسات أجنبية وأفلامًا ووثائق علمية تتناول تربية الصقور وتفريخها، إضافة إلى مقتنيات نادرة مرتبطة بالصيد.
وتابع السيد: أمتلك مجموعة كبيرة من الكتب والمجلات التي تتناول الصقور بأي لغة (إسبانية، إنجليزية، وغيرها). ومن أثمن مقتنياتي كتاب «البيزرة» ووثائق شراء صقور تعود لأكثر من 70 عاماً، إلى جانب الطوابع واللوحات أرشفت كل الطوابع والرسومات التي جسدت الصقور عبر التاريخ. أدوات الصيد: السكاكين القديمة مثل «أم قرن» (البكتاوية) والسكاكين العربية التي تشبهها في إسبانيا، بالإضافة إلى «الوكر» وقفازات الصيد.
رحلة استمرت عقدين
وكشف عبدالعزيز السيد أن تأسيس المتحف جاء نتيجة شغف طويل بالتراث، استمر لأكثر من 20 عامًا من البحث والاقتناء. مشيرا إلى تأثره بالبعثة الدنماركية التي وثّقت الحياة البرية في قطر عام 1959، حيث سعى إلى محاكاة هذا التوثيق من خلال جمع مقتنيات مشابهة.
وأوضح أن المتحف مفتوح حاليًا بشكل خاص للأصدقاء والمهتمين والباحثين فقط، نظرًا لطبيعته الأرشيفية، حيث يوفر مادة علمية مهمة للدارسين في مجالات التاريخ والتراث
ويختتم حديثه بالتأكيد على أن هذا المشروع هو نتاج شغف شخصي وحب عميق للتراث، قائلاً: الهواية حين تتحول إلى شغف، تصنع أثرًا… وهذا المتحف هو محاولة لحفظ ذاكرة الصحراء للأجيال القادمة.