قراءة نفسية في رواية الدكتور خالد الجابر.. «الإرسالية» حين تتحول مهمة تغيير الآخرين إلى اكتشاف الذات

alarab
إشراف بن مراد
المزيد 21 يونيو 2026 , 01:23ص
إشراف بن مراد

ثمة روايات تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وثمة روايات تبدأ منها الأسئلة. ومن هذا النوع تأتي رواية «الإرسالية» للكاتب والروائي القطري الدكتور خالد الجابر، التي تبدو للوهلة الأولى عملاً تاريخيًا يستعيد مرحلة الإرساليات التبشيرية في الخليج العربي أواخر القرن التاسع عشر. ومع ذلك لا أتردد في القول أيضا إنها رواية نفسية عن الإنسان أكثر من كونها رواية عن التاريخ والجغرافيا أو السياسة أو حتى عن الثقافة. انتهيت من قراءتها ولكنّ الأسئلة بقيت معلقة في ذهني ليس بوصفها أسئلة تاريخية فقط، بل باعتبارها أسئلة إنسانية متجدِّدة: فمتى يتوقف الآخر عن النظر إلينا باعتبارنا مشروعًا للتغيير؟ ومتى سندرك، نحن البشر، أن اختلافنا ليس مشكلة تحتاج إلى إصلاح، وأن مهمتنا في هذه الحياة ليست أن نجعل الآخرين يشبهوننا، بل أن نتعلم كيف نتقبلهم كما هم؟.
تصل ماري ماجدولين، الممرضة الأمريكية، بطلة الرواية، إلى الخليج وهي تحمل رسالة واضحة في ذهنها. تؤمن بأنها جاءت لتعلّم وتوجّه وتساعد وتغيّر، فهي تبدو مقتنعة بأنَّ ما تحمله من أفكار وقيم ومعارف كفيل بأن يجعل حياة الآخرين أفضل، على الأقل هذا ما يبدو لها ظاهريًا. وإذا أردنا ألاَّ ندخل في دوافع هذه الحملات، فإننا ندرك أنها لم تكن تهدف حقيقة إلى التغيير لمجرد التغيير.
لكنَّ الرواية لا تكتفي بعرض هذه القناعة، بل تضعها تحت اختبار التجربة الإنسانية. ومن منظور علم النفس، لا تبدو هذه الحالة غريبة. فالإنسان كثيرًا ما يقع فيما يمكن تسميته بـ»وهم الرسالة الأخلاقية»، حين يعتقد أنَّ مهمته في الحياة هي إصلاح الآخرين أو إعادة تشكيلهم وفق النموذج الذي يراه صحيحًا. وقد تنبع هذه الرغبة من دوافع نبيلة وصادقة، لكنّها أيضا قد تحمل في داخلها افتراضًا خفيًّا مفاده الرغبة في التملك وإلغاء الآخر وكلّ ما هو مختلف. لذلك نلاحظ أن الرواية لا تجعل من الصراع بين الأفكار محورًا لها بقدر ما تجعل من التحول الداخلي للشخصية جوهر الحكاية.
هنا تبدأ الرواية في تفكيك هذا الافتراض بهدوء وذكاء. فكلما اقتربت البطلة من الناس الذين جاءت لتغييرهم، بدأت تكتشف أنهم ليسوا الصورة التي رسمتها لهم مسبقًا. لم يكونوا مجرد موضوع لمهمة إنسانية أو دينية أو حضارية، بل بشرًا يمتلكون قصصهم وقيمهم وأحلامهم وكرامتهم الإنسانية.
وفي تلك اللحظة تحديدًا يحدث التحول الحقيقي. وكأنَّ الكاتب يريد أن يقول لنا إنَّ الإنسان لا يتغير غالبًا عندما يتلقى رسائل الآخر أوتوجيهه المباشر، بل يتغير عندما يشاركه تجارب إنسانية حيّة، كما يتغير عندما ينصت إليه بعمق وصدقٍ. ففهم الإنسان للآخر يسبقه دائمًا اعتراف ضمني بحقه في أن يكون مختلفًا في هذه الحياة.
لذلك لم يكن التحول الذي أصاب ماري ماجدولين تحولًا فكريًا فقط، بل تحولًا وجوديًا ونفسيًا أعاد صياغة علاقتها بنفسها قبل علاقتها بالآخرين. وإنغماسها في هذا التغيير الذاتي هو ما كان يحرك الرواية وقادها في الأخير إلى كتابة مذكراتها حتى وهي تقترب من النهاية والموت وكأنها كانت تريد أن تشرك الاخرين في رحلة التغيير الذاتي التي عاشتها.
وإذا أردنا أن نوظِّف أدوات علم النفس وإدارة السلوك الإنساني في فهم هذا التحول الفكري والنفسي الذي عاشته البطلة، سوف نرى بما لا يدعو للشكّ أنه عبارة عن عملية نفسية معقدة ومؤلمة أحيانًا. فحين يكتشف الإنسان أن بعض قناعاته الأساسية لم تكن دقيقة كما كان يعتقد، فإنّه لا يخسر فكرة فحسب، بل يخسر جزءًا من صورته عن نفسه.
ولهذا تبدو البطلة في مراحل عديدة من الرواية وكأنها تعيش حالة من التوتر الداخلي؛ فهي لم تعد قادرة على النظر إلى العالم بالطريقة القديمة نفسها، لكنها لم تصل بعد إلى يقين جديد. إنّها تقف في المنطقة الرمادية بين ما كانت تؤمن به وما بدأت تكتشفه.
وقد أبدع الجابر في استقصاء ملامح هذه المرحلة حين قاد قارئه إلى اليقين بأنّ الآخر ليس خصمًا ولا مشروعًا للإصلاح، بل مرآة. وما نظنّه رحلة نحو الآخر ليس في الحقيقة إلاّ رحلة نحو أعماقنا نحن. وعلى هذا الأساس، تثبت رواية «الإرسالية» هويتها كرواية رائعة عن التحرر من مركزية الذات لتعلمنا أنّ العالم أوسع من تصوراتنا وأنّ البشر أكثر تعقيدا مما نتخيل.
والملاحظ أنَّ الكاتب لم يقدم هذه الفكرة من خلال خطاب مباشر أو وعظي، بل إنه طرحها من خلال السرد نفسه الذي تركه يؤدي هذه المهمة بسلاسة وعمق معتمدا لغة أنيقة ومرنة. فالأحداث والشخصيات والعلاقات الإنسانية تتولّى كشف التغير التدريجي الذي يصيب الوعي، حتى يشعر القارئ أنه يرافق البطلة في رحلة مراجعة داخلية لا تقل أهمية عن رحلتها الجغرافية ذهابًا وإيابًا من أرضها (أمريكا) إلى الشرق.
وبما أنّ العنوان هو العتبة الأولى للنص، كما يقول النقاد، يبدو عنوان «الإرسالية» متعدد الدلالات، إذ ينطلق من فكرة الإرسال بوصفها فعلًا تواصليًا ليس فقط بين الفرد و الاخر بل بين الانسان ونفسه، مبيّنا أنَّ أخطر أشكال المسافة بين البشر ليست المسافة الجغرافية أو الثقافية، بل ذلك الاعتقاد الخفيُّ بأنَّنا نعرف مسبقًا من هم.
وأخيرا ورغم أنَّ هذه السطور لا تمثل سوى محاولة متواضعة للاقتراب من عالم الرواية من زاوية نفسية، فإنّ «الإرسالية» تبقى من الأعمال السردية الخليجية والعربية الجديرة بالقراءة والتأمل. فهي تثير في النفس حوارًا داخليًا عميقًا عن الهوية والإيمان والمعنى وحدود التأثير في الآخرين... وأنا على ثقة أن القارئ سيظفر بتجربة قراءة ممتعة واستثنائية. إذ سيجد نفسه مدفوعا طوعًا إلى مراجعة كثير من مسلّماته وأسئلته الوجودية، حتى تبدو الرواية، في نهاية المطاف طريقه إلى ذاته.