الناقد الدكتور رامي أبو شهاب لــ «العرب» (2 - 2 ): الجوائز الثقافية تحفّز الإبداع.. ولا تصنعه

alarab
المزيد 20 مارس 2026 , 02:25ص
محمد عابد

جائزة كتارا للرواية نموذج لديناميكية ثقافية 
الرواية العربية مطالَبة بتجاوز تمركزها الذاتي وتطوير أدواتها الفنية 
الأدب يشتبك مع الواقع عبر الجمال لا عبر المباشرة
النكبة الفلسطينية وتحولات الوعي تشكلان مفصلًا في مفهوم الضحية العربي

 

في الجزء الثاني والأخير من حوار « العرب» مع الناقد الدكتور رامي أبو شهاب الأستاذ في جامعة قطر، ينتقل الكاتب بعد التنظير حول مفهوم المثقف وكونه فاعلا في الواقع العربي، إلى الاشتباك مع الأسئلة الأدبية والنقدية، مؤكدًا أن الأدب الحقيقي لا يتحول إلى بيان مباشر، بل يحقق توازنه عبر التكوين الجمالي العميق القادر على إثارة الوعي والإحساس معًا.  ويرى أبوشهاب أن الجمالية نفسها تمثل فعل مقاومة في مواجهة القبح والهيمنة، وأن وظيفة الناقد لا تنفصل عن قراءة الواقع. كما يتوقف عند مشروعه حول “آداب الصدمة” وتداعيات الاستعمار في الوعي العربي، مشيرًا إلى قصور النهضة في إحداث تحول بنيوي في العقل العربي، وإلى التحديات التي تواجه الرواية العربية رغم حيوية الجوائز والمشاريع الثقافية الداعمة لها، مؤكدا أهمية الجوائز الثقافية، ومنها جائزة كتارا للرواية العربية، في خلق ديناميكية ثقافية حقيقية، شرط ألا تتحول الجائزة إلى غاية بحد ذاتها... وإلى نص الحوار:
◆ إذا أردنا أن ننطلق نحو التطبيق على الواقع الأدبي كيف يمكن للنص أن يشتبك مع الواقع دون أن يتحول إلى بيان فج؟
¶ الأدب، على اختلاف التعريفات التي قُدِّمت له، ينطلق في جوهره من تصورٍ يحيي دوره بوصفه فعلاً فنياً يتصل بالإنسان ووعيه. غير أن هذا الفن، على الرغم من أنه قد يتصل ببعض ملامح الواقع أو يتولد منه، من الضروري جداً ألا ينزلق إلى المباشرة أو الخطابية؛ إذ يجب أن يعمد إلى الجمع بين التحليل العميق والتصوير، وأن يقدّم ذلك التكوين الجمالي الذي يمارس دوراً أو وظيفةً أو غايةً في تكريس الوعي بالفهم، ولكن الأهم في إثارة الإحساس بذلك المعنى.

 طرح أفلاطون
◆ هل ترى أن الجمالية نفسها يمكن أن تكون فعل مقاومة؟
¶ لا شك أن الجمال جزء من معنى الحياة، ومن خلاله نعيش العالم ونراه، وما يناقض ذلك فهو القبح والشر. وعليه فإنه، من وجهة نظر فلسفية، فإننا نبحث عن الخير الذي يعني الجمال؛ وهو ما يلتقي، على نحوٍ ما، مع التصور الذي طرحه الفيلسوف أفلاطون حين ربط بين الخير والجمال في سياق البحث عن الحقيقة بوصفها قيمةً عليا. وفي ظل غياب القيم الجمالية فإننا سنكون إزاء عملٍ يفتقر إلى العمق؛ فالإضافة الجمالية هي ما تجعل من الأدب والفن حاضرين في آلية التلقي، وربما تعيد إنتاج قيمٍ جمالية أخرى تسهم في خلق واقع أكثر إنسانية. 

◆ ومتى تتحول وظيفة الناقد من قارئ للنصوص إلى قارئ للواقع ؟
لا يمكن الفصل بين هاتين الغايتين؛ فقراءة النص قد تكون العتبة التي تقود إلى الواقع، كما أن الواقع بدوره قد يقود إلى تشكيل النص. والناقد الحقيقي هو الذي يتمكن من اكتناه النص وما يكمن فيه من إحالات إلى الواقع، وما يمكن أن يفتحه هذا الواقع من أفقٍ نحو رؤيةٍ مستقبلية قد تنطوي عليها النصوص. وفي هذا السياق يمكن أن نستحضر ما أشار إليه المفكر بول ريكور حين رأى أن النص لا يكتفي بعكس الواقع، ويعيد في الوقت نفسه تشكيله عبر أفقٍ تأويلي يفتح إمكاناتٍ جديدة للفهم. ومع ذلك نلاحظ أن أدبنا غالباً ما يعلق بالماضي ويعيد تصوره، وهي آفة تكمن في العقل العربي الذي لم يتمكن بعد من تشكيل رؤيةٍ متوازنة تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.

 الضحية.. والصدمة
◆ ذكرت أن كتابك « الضحية آداب الصدمة» التراوما « جاء في سياق مشروع تطوير خطاب ما بعد الكولونيالية والذي يقوم على استغلال الدول القوية للشعوب والأراضي الأخرى ومحاولات فرض حضارة وثقافة معينة.. إلى أي مدى يتطابق الكتاب مع الواقع اليوم؟
¶ انطلق كتابي أولاً من محاولة نقل مفهوم الصدمة إلى السياقات العربية التي أرى أنها ربما الأكثر إنتاجاً لما يمكن أن نطلق عليه مفهوم الضحية في العقود الأخيرة. كما يسعى الكتاب إلى مساءلة المعيارية التي نهضت عليها بعض الدراسات الغربية، ولا سيما تمركزها حول نموذج الهولوكوست بوصفه الإطار المرجعي لمفهومي الضحية والصدمة.
ومن هنا تبدو النكبة الفلسطينية واحدةً من أهم المفاصل التاريخية التي تشكّل فيها مفهوم الضحية والصدمة في الوعي الفلسطيني، نظراً لعمقها التاريخي وللتداعيات الواسعة التي ترتبت عليها، سواء على مستوى التجربة الفلسطينية ذاتها أو على مستوى السياق العربي الأوسع. فالصدمة في هذه التجربة لا تتصل بعوامل خارجية كفعل الاستعمار والاحتلال فحسب، وإنما تتداخل أيضاً مع عناصر داخلية تتصل بتغوّل السلطة والبنى السياسية والاجتماعية، كما شهدنا في تجارب مثل سوريا والعراق. 

◆ وهل تعتقد أن ثقافتنا العربية مازالت تعاني تبعات الاستعمار، وكيف يمكن تفعيل توجهات نقدية جديدة، أو تطوير روافد تتصل بإشكاليات عميقة تقع في صلب الخطاب الثقافي المعاصر؟
¶ معظم كتبي، ولا سيما «الرسيس والمخاتلة»، و«في الممر الأخير»، و«الأنوات المشوهة» وغيرها، تنطلق من فكرة أننا ما زلنا نعاني من تداعيات متابعات الاستعمار. وأعتقد أن المشكلة تكمن في الوعي العربي الذي ظلّ، في كثيرٍ من الأحيان، مسكوناً بفكرة القابلية للاستعمار، وهي الفكرة التي أشار إليها المفكر مالك بن نبي في تحليله لبنية التخلف في المجتمعات المستعمَرة.
وقد وجّهتُ نقداً في كتاب «الأنوات المشوهة» لفكرة تحقق النهضة العربية، إذ أرى أنها لم تكن نهضة مكتملة؛ فمن الممكن النظر إليها بوصفها عملية تحديثٍ ضرورية، غير أنها لم تُحدث ذلك التأثير العميق في بنية العقل العربي، الذي ما زال يحمل في داخله استعداداً لتقبّل الهيمنة، ويستشعر أحياناً نوعاً من النقص أو الدونية أو الخوف.

 الوعي والرواية العربية
◆ في كتابك «خطاب الوعي المؤسلب في الرواية العربية» قدمت قراءة موسعة في نماذج من السرد العربي لعدد من كبار الروائيين العرب مثل: توفيق الحكيم والطيب صالح، وعبد الرحمن منيف وغسان كنفاني والطاهر بن جلون، وإبراهيم نصر الله، وآسيا جبار وغيرهم ما هو التقاطع الذي تراه مازال قائما اليوم في الخطاب الروائي العربي؟
¶ في الحقيقة إن كتابي، على الرغم من أنه درس روايات تعود إلى منتصف القرن العشرين وصولاً إلى الزمن الحاضر، فإن الرؤية التي ينطلق منها تبدو لي أقرب إلى معضلةٍ بنيوية تكمن في محاولة فهم العقل العربي وتصويره. وربما ينساح الأدب إلى محاولة التجسيد والتاريخ والتصوير، غير أنني أعتقد أن الرواية العربية ما زالت تعاني من قصورٍ في تجاوز فهم الذات.
ومن أجل أن نتمكن من خرق هذا التمحور الذاتي والتاريخي، علينا أن نتبنى تصوراً أكثر رحابة. وقد أشار المفكر محمد عابد الجابري في مشروعه حول نقد العقل العربي إلى أن الإشكال لا يكمن في النصوص وحدها، وإنما في البنية الذهنية التي تنتج طرائق الفهم ذاتها. وهذا ما يجعل المشكلة، في تقديري، تتصل بالبنية العقلية نفسها، إضافة إلى الحاجة إلى تطوير آليات فنية يمكن أن تستجيب لهذه الصيغة.
فالواقع العربي، كما أراه، يزداد يوماً بعد يوم قتامةً وكآبة. ومع ذلك لا يبدو أن الرواية العربية، على الرغم من محاولاتها المتعددة، قادرة على أن تشكل ظاهرة تتصل بتغيير الوعي. ومن هنا فإن القضية، في ظني، تحتاج إلى تحولاتٍ أكثر جذرية من أجل خلق ذاتٍ أكثر وعياً بمفهوم الإنسان، وهي قضية ثقافية تحتاج إلى الكثير من العمل.
 
الجوائز الثقافية
◆ وكيف ترى المشاريع والجوائز العربية خاصة التي تقدمها دولة قطر(جائزة كتارا للرواية العربية) في تطوير الخط الروائي والنقدي للخروج من حالات الهيمنة الثقافية؟
¶ تقدم دولة قطر عدداً من الجوائز التي أرى أنها موضوعة بعناية من أجل تحقيق تلك الغاية؛ ففيها العديد من الجوائز التي تتصل بالكتاب عامة، وبالترجمة والرواية والشعر وغير ذلك. وهذا في ظني إحدى الوسائل التي تنطلق من وعي المؤسسة في تكريس الثقافة بوصفها أحد الحلول الممكنة لأزمة الذات العربية. وتأتي جائزة كتارا للرواية العربية مثالاً على ذلك، إذ تسعى إلى خلق فضاء يبعث الحيوية والديناميكية الداخلية التي أشرت إليها سابقاً.
غير أن المشكلة تكمن أحياناً في أن بعض الكتّاب يجعلون من كتابة الرواية غاية تستجيب لفكرة الجائزة ذاتها، في حين أن الجائزة في أصلها فعل من أفعال الاعتراف والتقدير. وعلى الرغم من أن دورها يبدو محفزاً ودافعاً، فإن الأمر قد يحتاج إلى قدرٍ من الوعي لدى الكاتب حتى لا تتحول الجائزة إلى غايةٍ في ذاتها، وإنما تبقى نتيجةً طبيعية لمسارٍ إبداعي حقيقي.
ومن هنا يمكن القول إن القيمة الأهم لا تكمن في الجائزة بوصفها حدثاً احتفالياً، وإنما في قدرتها على خلق بيئة ثقافية تدفع الكاتب إلى تعميق تجربته وتوسيع أفقها، بحيث تصبح الجائزة جزءاً من دينامية الحقل الثقافي، لا بديلاً عن الفعل الإبداعي الذي ينبغي أن يظل في مركز التجربة الأدبية.