الفنانة التشكيلية الدكتورة منيرة المير لـ «العرب»: الفن القطري يتواصل مع الآخر.. والخط العربي بوابة الحوار الثقافي

alarab
المزيد 20 فبراير 2026 , 01:23ص
محمد عابد

الخزف ليس مجرد وسيط تقني.. بل مساحة للتأمل والتجريب

الدمج بين المدارس الفنية ضرورة تعكس تعقيد العالم المعاصر

أتعمد أحياناً إبراز خشونة الطين أو تشققه ليعكس حالات إنسانية مثل الهشاشة أو الصراع

فهم القواعد الجمالية والتقنية لكل مدرسة يمنحني وعياً أوسع بالإمكانات التعبيرية

 

أكدت الفنانة التشكيلية الدكتورة منيرة المير، أستاذة الفنون الجميلة في جامعة قطر، أن الخط العربي يشكل عنصراً بنيوياً أساسياً في أعمالها، إذ يمنح التكوين تلاحماً بصرياً يوازن بين كتلة الجسد وفراغ اللوحة ويعزز الإيقاع العام للعمل.
 وأوضحت د. منيرة في حوار خاص مع «العرب» على هامش معرضها «ظلال هندية بحروف عربية» الذي افتتح في الجمعية القطرية للفنون التشكيلية، مؤخرا، أن التجربة تمثل رسالة فنية تؤكد دور الفن التشكيلي في قطر في مد جسور التواصل الثقافي وتقديم قراءة مبتكرة للعلاقات التاريخية بين شبه القارة الهندية والمنطقة العربية.
وإلى تفاصيل الحوار:
◆ نود في البداية التعرف على فلسفة هذا المعرض «ظلال هندية بحروف عربية»؟ 
¶ فلسفة المعرض تنبع من إعادة اكتشاف الحرف؛ فهي لم تتعامل مع الخط العربي أو الهندي كأدوات لنقل المعنى اللغوي المباشر، بل كـ «طاقة ثقافية» متحررة.
 لقد بحثت في الجذور الجمالية المشتركة، حيث يلتقي الخطان في انحناءات فنية وإيقاع بصري يتجاوز حاجز اللغة. الحرف في هذه اللوحات تحول إلى شكل ومساحة، ليصبح عنصراً تشكيلياً يحمل بعداً روحياً يعبر عن الهوية الإنسانية بأبعادها العميقة». 

الخبرة الأكاديمية
◆ بصفتك أستاذة أكاديمية للفنون البصرية.. كيف تنعكس الخبرة الأكاديمية على ممارستك الفنية، خصوصاً في مجال الخزف؟
¶ بصفتي أستاذة أكاديمية للفنون الجميلة، أرى أن الخبرة الأكاديمية لا تنفصل عن الممارسة الفنية، بل تغذيها وتمنحها عمقاً معرفياً ومنهجياً. فالتدريس والبحث يفرضان عليَّ حواراً مستمراً مع تاريخ الفن ونظرياته وتجارب الفنانين عبر العصور، وهذا ينعكس بوضوح في أعمالي الخزفية من حيث الوعي بالمادة والبناء الشكلي والبعد المفاهيمي.
 فالخزف بالنسبة لي ليس مجرد وسيط تقني، بل مساحة للتأمل والتجريب، حيث تتقاطع المعرفة الأكاديمية مع الحس الإنساني والتجربة الشخصية.

◆ يُلاحظ في أعمالك ميل واضح إلى الدمج بين مدارس فنية مختلفة.. ما الذي يدفعك إلى هذا الخيار؟ وهل ترينه تحدياً أم ضرورة فنية معاصرة؟
¶ هذا الميل نابع من قناعتي بأن الفنان المعاصر يعيش في عالم متعدد الثقافات والمرجعيات، ولم يعد من المنطقي حصر التجربة داخل إطار مدرسة واحدة. الدمج لا يأتي بدافع التزيين أو الاختلاف الشكلي، بل نتيجة بحث بصري وفكري عن لغة فنية أكثر صدقاً قادرة على التعبير عن تعقيدات الهوية والذاكرة والزمن. أرى هذا الخيار في آنٍ واحد تحدياً وضرورة؛ تحدياً لأنه يتطلب وعياً عميقاً بجذور كل مدرسة حتى لا يكون الدمج سطحياً، وضرورة لأن الفن اليوم مطالب بأن يعكس تشابك العالم وتداخل الثقافات وتحولات الإنسان المعاصر. من هنا يصبح العمل الفني مساحة حوار لا إجابة واحدة، ومساحة مفتوحة للتأويل والتجربة.

 الطين ليس وسيطاً محايداً
◆ الخزف يُعد من أكثر الفنون ارتباطاً بالمادة والملمس.. كيف توظفين هذه الخصوصية في التعبير عن أفكارك الجمالية والفكرية؟

¶ الخزف بالفعل من أكثر الفنون ارتباطاً بالمادة والملمس، لأن الطين ليس وسيطاً محايداً بل مادة حيّة تتفاعل مع اليد والضغط والزمن والنار. أوظف هذه الخصوصية من خلال التعامل مع الملمس بوصفه عنصراً تعبيرياً أساسياً لا جانباً جمالياً فقط، حيث يصبح السطح لغة بصرية تنقل الإحساس والفكرة معاً. أتعمد أحياناً إبراز خشونة الطين أو تشققه أو عدم انتظامه ليعكس حالات إنسانية مثل الهشاشة أو الصراع أو الذاكرة المتآكلة، بينما أستخدم في أعمال أخرى الأسطح المصقولة والهادئة للتعبير عن الاتزان أو السكون أو البعد الروحي. كما أن أثر اليد يظل حاضراً في العمل بوصفه سجلاً للحركة والتفاعل الجسدي مع المادة، مما يمنح القطعة صدقاً وخصوصية. وعلى المستوى الفكري يمثل الخزف بالنسبة لي حواراً بين السيطرة والتحرر، بين ما أخطط له وما تفرضه المادة والنار من مفاجآت، وهذا التوتر يتحول إلى مساحة تأمل في العلاقة بين الإنسان والعناصر.

◆ كيف تنظرين إلى موقع الخزف اليوم ضمن الفنون التشكيلية المعاصرة؟ وهل تغيّرت النظرة إليه مقارنة بالماضي؟
¶ أعتقد أن النظرة إلى الخزف تغيّرت كثيراً؛ فبعد أن كان يُنظر إليه طويلاً بوصفه فناً تطبيقياً أو حرفياً، أصبح اليوم وسيطاً فنياً معاصراً يحمل طاقات تعبيرية وفكرية واسعة. هذا التحول جاء نتيجة تطور التجارب الفنية عالمياً وازدياد الوعي بدور المادة في تشكيل المعنى، إضافة إلى انفتاح المؤسسات الفنية والمعارض على تقديم الخزف ضمن سياقات فنية معاصرة، لا كحرفة تقليدية فقط. لذلك أرى أن الخزف اليوم يحتل موقعاً متقدماً داخل المشهد التشكيلي، ويمنح الفنان مساحة للتجريب تتجاوز الحدود التقليدية بين الفنون.

◆ في تجربتك، إلى أي مدى يلعب التراث المحلي أو البيئة القطرية دوراً في تشكيل رؤيتك الفنية؟
¶ في تجربتي الفنية يلعب التراث المحلي والبيئة القطرية دوراً جوهرياً في تشكيل رؤيتي، ليس بوصفها عناصر تستعاد بشكل مباشر أو زخرفي، بل كمخزون بصري ووجداني يتسرب إلى العمل تلقائياً. البيئة بما تحمله من صحراء وبحر ومفردات معمارية تشكّل وعياً بالملمس واللون والإيقاع، وتنعكس في اختياراتي للمادة وبناء السطح. التراث بالنسبة لي ليس موضوعاً ثابتاً بل حالة شعورية مرتبطة بالذاكرة والهوية؛ يظهر أحياناً في بساطة الأشكال أو في التقشف اللوني أو في الأثر اليدوي الذي يحاكي العمل التقليدي دون أن يكرر شكله. كما أن علاقة الإنسان بالمكان – بين القسوة والسكينة – تنعكس في توازن أعمالي بين الخشونة والنعومة، وبين الكتلة والفراغ. من هنا تصبح البيئة منطلقاً فكرياً وجمالياً أعيد صياغته ضمن رؤية معاصرة تجعل العمل مساحة حوار بين الماضي والحاضر وبين الخصوصية المحلية واللغة الفنية العالمية.

صوتي الفني
◆ كيف توازنين بين الالتزام بأسس المدارس الفنية المختلفة وبين الحفاظ على صوتك الفني الخاص؟
¶ أوازن بين الأمرين من خلال التعامل مع المدارس الفنية بوصفها أدوات معرفية لا قوالب جاهزة. ففهم القواعد الجمالية والتقنية لكل مدرسة يمنحني وعياً أوسع بالإمكانات التعبيرية، لكنه لا يقيدني بتطبيقها حرفياً، بل يسمح لي بإعادة توظيفها بما يخدم رؤيتي وتجربتي الشخصية. أما صوتي الفني فيتكوّن من التجربة الذاتية والبيئة والتفاعل المستمر مع المادة والفكرة، وهو ما يجعل العمل نابعا من الداخل لا من التقليد. بهذا المعنى يصبح الوعي بالمدارس مرحلة تأسيسية ضرورية، بينما تمثل الممارسة والتجريب مساحة التحرر وبناء الهوية الفنية الخاصة.

◆ ما الدور الذي ترينه للفنان الأكاديمي في تطوير الذائقة البصرية لدى الطلبة والمجتمع؟
¶ أرى أن دور الفنان الأكاديمي دور محوري في تطوير الذائقة البصرية، لأنه لا يقتصر على نقل المعرفة التقنية، بل يمتد إلى تنمية القدرة على الرؤية النقدية والتفكير البصري واحترام الاختلاف في التعبير الفني. فالفنان الأكاديمي يشكل حلقة وصل بين النظرية والتطبيق، وبين التراث والحداثة، ويسهم من خلال التعليم والممارسة في خلق وعي فني يعزز حضور الفن بوصفه لغة ثقافية وفكرية، لا مجرد مهارة تقنية.