

ضمن فعاليات الصالون الثقافي بمعرض الدوحة الدولي القادم للكتاب، في دورته الخامسة والثلاثين دشن الكاتب والأكاديمي د. خالد الجابر روايته الجديدة بعنوان “الإرساليّة”، الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، والتي تقدم سردية تتحرك على تخوم الإرث التاريخي الخليجي بين وثائق الأرشيف والتخييل، وتستكشف التقاطعات بين الشرق والغرب، وجدلية الأنا والآخر.
تقدّم الرواية مقاربة جديدة للسردية التاريخية، حيث لا تنظر إليها بوصفها حقيقة مكتملة، بل تفتحها على آفاق متعددة من الفهم والتأويل. ويأتي هذا العمل امتدادًا للتوجه الثقافي والفكري في الأعمال الروائية الصادرة للدكتور خالد الجابر والمرتبطة بمنطقة الخليج العربي، إذ يسعى إلى إعادة الاعتبار للأصوات المهمشة والمغيّبة، ومنحها حضورًا أوسع في النص، بما يسهم في إثراء الرواية العربية برؤية تجمع بين الحس الأدبي وعمق التجربة الإنسانية.
التاريخ فضاء للتشابك
وتستثمر الرواية مناخ حركة الإرساليات الأجنبية في الخليج، وهي حركة تعود جذورها إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث شهدت المنطقة حضورًا متناميًا لبعثات تبشيرية وتعليمية وطبية. وتشير بعض المصادر الأرشيفية إلى تأسيس «الإرسالية العربية» (Arabian Mission) عام 1889 تحت رعاية الكنيسة الإصلاحية الأمريكية، في سياقٍ تداخلت فيه الأبعاد الدينية مع الطموحات المعرفية والخدمات الإنسانية، قبل أن يمتد نشاطها لاحقًا إلى عدد من مناطق الخليج الساحلية.
غير أن هذا الإطار التاريخي لا يُستحضر في الرواية بوصفه معطى توثيقيًا جامدًا، بل كحيّز سردي نابض تتقاطع فيه الدوافع والرهانات؛ حيث تتشابك النوايا التبشيرية مع أسئلة النفوذ، ويتجاور السعي إلى المعرفة مع فعل الحضور في المكان.
بين الشرق والغرب
تتخذ الرواية من رسائل الممرضة الأمريكية ماري مجدولين سميث محورًا سرديًا. هذه الشابة التي عبرت البحار لا لتغيير الجغرافيا وحدها، بل لتجربة زمنٍ آخر بطيء الإيقاع شديد القسوة، تتحرك في مدن ومرافئ الخليج: البحرين وقطر ومسقط والكويت وأبو ظبي، قبل أن تمتد خطوط الرحلة إلى القطيف والأحساء والعراق. ومع كل انتقال، تتكشف طبقات المكان: عادات البيوت، جغرافيا السوق، إيقاع الميناء، طبيعة العلاقات الاجتماعية، ومؤشرات التحول مع بدايات اقتصاد النفط.
تأتي «الإرساليّة» امتدادًا طبيعيًا لمشروع أدبي وبحثي أوسع لدى المؤلف، يسعى إلى قراءة التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية في منطقة الخليج من زاوية إنسانية تُنصف المنسيّ والمجهول. في هذا السياق، لا يُستدعى الأرشيف على هيئة إسنادٍ تاريخي محض، بل باعتباره مدخلًا جماليًا وأخلاقيًا: أوراق ورسائل ومذكّرات وتقارير تُستعاد من عتمة الإهمال، فتتحوّل في الرواية إلى نبضٍ جديدٍ يُمنح حقَّه في الكلام بعد طول صمت.