

وسائل التواصل الاجتماعي ظواهر صوتية أكثر من كونها مشاريع معرفية
الثقافة رهان إستراتيجي لمواجهة أزمات الوعي العربي
المثقف العربي مطالب بالانحياز للعدالة لا الأيديولوجيا
في ظل الأوضاع الراهنة يبقى السؤال عن دور المثقف ومن هو المثقف العضوي الفاعل في المجتمع وما إشكالياته؟ حول هذا الموضوع التقت «العرب» الناقد الدكتور رامي أبو شهاب الأستاذ في جامعة قطر، في حوار ننشره على جزأين، الأول يتضمن قراءة نقدية لمفهوم «المثقف العضوي»، حيث أوضح أن إضافته عند الناقد الإيطالي أنطونيو جرامشي لا ينبغي أن تُختزل في البعد الطبقي، بل في قدرة المثقف على الانحياز لقيم العدالة والإنسانية وتحرير الأفكار السائدة.
وأكد أبو شهاب أن الاشتباك مع الواقع لا يقتضي بالضرورة خطابًا سياسيًا مباشرًا، بل قد يتحقق عبر الفعل المعرفي والجمالي، مع الحفاظ على مسافة نقدية من السلطة والبنى الضاغطة. كما أشار إلى خطر تحوّل المثقف إلى أسير أيديولوجيا أو مصالح ضيقة، في ظل تراجع دوره أمام تضخم الظواهر الصوتية في وسائل التواصل، داعيًا إلى إصلاح تعليمي في عالمنا العربي وإرادة سياسية تعيد الاعتبار لدور المثقف العربي في بناء الوعي العام. وإلى التفاصيل:
◆ هل ما زال مفهوم “المثقف العضوي” الذي طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي، ويشير إلى المثقف المهموم بقضايا مجتمعه والمنخرط في نضاله، عكس المثقف «التقليدي» المنعزل، صالحًا لقراءة دور المثقف العربي اليوم؟
¶ مفهوم المثقّف كان موجوداً في زمنٍ سابق قبل أنطونيو جرامشي، ولكن الإضافة والتنظير اللذين وضعهما هذا المفكر اتصلا بالسياقات التي تنطلق من أن المثقف ينبثق من وعي طبقةٍ اجتماعية، وهو يعبّر عن مصالحها. ومع ذلك فإن نوعية الدور الذي ينهض به المثقف، بغضّ النظر عن هذا الانتماء، تنطلق من الوعي العميق بالعالم الذي يعيش فيه، بدوره من منطلق مبادئ معيّنة أو محدّدة يؤمن بها. وهذه المبادئ يجب أن تقوم على محددات أو معايير لا يمكن إلا أن نطلق عليها ذلك الانحياز للجانب الإنساني أو قيم العدالة، بغضّ النظر عن المرجعيات التي ينتمي إليها المثقف عضوياً من ناحية الجماعة.
فقد يحصل هنالك نوع من التعارض بين تلك القيم وتلك المرجعيات، وعليه فإن المثقف الأدبي، وذلك المثقف الذي يسعى إلى التحرّر من كل ما يمكن أن يحول دون تحقيق تلك المبادئ أو تلك القيم، يظلّ في حالة مساءلة مستمرة. وعلى الرغم من أن هنالك وجوداً لمثقفين منعزلين، فإن العزلة قد تكون طابعاً اجتماعياً، لكنها لا تعني أن يكون المثقف منعزلاً عن الاتصال بقضايا المجتمع. غير أن القيمة الأهم والأكبر تنطلق من أن للمثقف دوراً في تحرير الأفكار السائدة وتجاوزها وتقديم ما هو جديد. وعلى ذلك فإن المثقف التقليدي الذي يقع في منطقة إعادة إنتاج الأفكار السابقة قد لا يبدو متوافقاً مع تلك التصنيفات التي أشار إليها جرامشي.
الاشتباك مع الواقع
◆ وهل الاشتباك مع الواقع يعني الانخراط في موقف سياسي مباشر، أم يمكن أن يكون اشتباكًا معرفيًا وجماليًا؟
¶ لقد تناولت فيه كثيرا أو موقفا في كثير من المقالات أنه يجب على المثقف في الحدود الدنيا على الأقل أن لا يخطب في موقف سياسي مباشر ولكن يجب عليه ألا ينخرط في موقف يتخلى فيه عن مبادئه من أجل تحقيق غايات معينة تخالف القيم والمبادئ التي يمكن أن نراها جزءا من المفهوم المتعالي المطلق للمثالية، ومع ذلك فإن ذلك لا يمنع من أن المثقف يجب عليه أن يشتبك إلى حد ما مع القضايا التي يبحث فيها ويدافع عنها قد يكون هذا الاشتباك معرفيا أو جماليا ولكن تبقى بعض السياقات ولا سيما في العالم العربي تحول دون ذلك وهذا مما يتطلب من المثقف جهودا مضاعفة لمحاولة أحيانا الحديث والتعبير ولو بصورة غير مباشرة فمشكلتنا تكمن في محدودية السقف.
◆ وهل تعتبر نفسك مثقفًا عضويًا، أم أنك تتحفظ على هذا الوصف؟
¶ شخصياً، إذا ما نظرنا إلى مفهوم المثقف العضوي كما وضعه أنطونيو جرامشي، فقد أكون جزءاً من هذا المفهوم، ولا سيما حين ينطلق المثقف من قضايا تتصل بأمته وثقافته. ولكنني أعتقد أن هذا الانحياز لبعض القضايا التي أتحدث عنها في سياق محدد يرتبط بالوعي، إنما يقوم على قيم العدالة والحقيقة، وليس مجرد انحياز أعمى. وهذا ما يجعلني، إلى حدّ ما، أقرب إلى مفهوم المثقف كما يطرحه إدوارد سعيد، ذلك المثقف الذي يتحرر من النمط الطبقي أو من ضغط المجموعات، ولا سيما حين يتعلق الأمر بنقل أو تفكيك بعض البنى التي تتسم بها السلطة.
ومع ذلك أرى أنني ما زلت غير قادر على أن أكون فاعلاً ومؤثراً بالصورة التي ينبغي أن يكون عليها المثقف، وذلك بداعي عدم توافر الحرية بصورة مطلقة؛ فالكاتب لا يستطيع أن يكون حراً تماماً في ظل الحدود التي قد تفرضها السياقات السياسية أو الاجتماعية.
◆ كيف يمكن للمثقف أن يظل ناقدا وهو جزء من البنية التي ينتقدها؟
إن الفعل النقدي ينهض على رؤيةٍ تتوافر لها تلك الأدوات، فالعملية النقدية تنطلق من ديناميةٍ حيوية داخلية، وهي دينامية يمكن أن نفهمها أيضاً في ضوء التصور الذي يطرحه الفيلسوف الألماني هيجل، حين يرى أن الأفكار لا تتقدم من خارجها، إنما ينبغي أن تكون من داخل التوترات التي تقوم بينها وبين ما يناقضها، بحيث تنشأ الحركة المعرفية من داخل تلك البنية نفسها. ولذلك كان من الضروري جداً أن يتخذ الناقد مسافةً وهو يمارس النقد كي يتمكن من تحكيم الصورة الكلية، وأن يتخلص من كثير من الرواسب والطبقات التي قد تجعله يخرج عن الغاية والوظيفة التي ينهض بها بوصفه ناقداً.
عزلة المثقف
◆ أحيانا نلاحظ الصمت أو الانعزال للمثقف.. هل هذا يمكن أن يكون شكلا من أشكال الاشتباك، أم انسحابا منه؟
¶ هذا الانعزال قد يعود إلى سياقاتٍ محددة، وربما يرجع ذلك إلى أن بعض المتعلمين ــ ولا أقصد هنا المثقفين ــ فهناك الكثير من حملة الشهادات يحجمون عن الاشتباك، لأنهم يبحثون عن ذلك الوضع الآمن والمحايد على المستوى الأيديولوجي. وربما يكون هنالك نوع من الانسحاب من قبل البعض، على الرغم من أنهم، في الحقيقة، يبدون إحساساً عميقاً بجدوى الفعل المعرفي، غير أنهم يتراجعون بداعي عدم توافر السياقات الملائمة.
◆ إذا كان المجتمع يعيش حالة وعي مأزوم، فهل وظيفة المثقف العضوي أن يفسّر هذا الوعي أم أن يزعزعه؟
¶ في ظني أن المشكلة لا تكمن في وظيفة المثقف وما يمكن أن يقوم به من ناحية تفسير هذا الوعي أو زعزعته، فثمة مرحلة سابقة، في الحقيقة، تنهض على توفير المقدمات التي يمكن أن تجعل المجتمع يعي دور المثقف. ونحن ربما في أسوأ المراحل التي نرى فيها المثقف نفسياً معزولاً أو مهمشاً، والأهم والأصعب من ذلك أنه لا يوجد بدوره في عصر يتراكم فيه ما يسمى بالمؤثر الاجتماعي، ولا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، التي بدأت تضيف طبقات من الوعي المأزوم وتزيد الوضع سوءاً. ومن هنا فإننا بحاجة إلى عملية تثقيفية تتصل بالتعليم، وبخلق الوعي لدى المجتمع. وهنا أطالب بوجود إرادة سياسية تتصل بتحسين تطبيق المناهج التعليمية وطرق التفكير، فضلاً عن إعطاء المثقف دوراً فاعلاً في تكوين تلك التصورات.
◆ هل يتحول المثقف العضوي أحيانًا إلى أسير الخطاب الذي يدافع عنه؟ وما الحدود التي تضمن بقاءه حرا وليس أسيرا لأيديولوجية بذاتها؟
¶ نعم، هذا شائعٌ جداً، وربما نلاحظه بصورةٍ يومية في كثيرٍ من الأوساط الأكاديمية. غير أن هذا النموذج، في ظني، لا يبدو قادراً على أن يخرج بذاته من دائرة محيطه الضيق، أو أن يتمكن من تشكيل رؤيةٍ أوسع تتجاوز ذلك الواقع العسير والمركّب. وفي معظم الأحيان فإن هذه الخطابات تكون مبنية على معارف مسبقة أو تجارب محدودة، وتتصل بشيءٍ من التعميم. وفي المجتمعات العربية، على وجه الخصوص، كانت المعاناة كبيرة وشديدة بسبب تلك الحدود الضيقة للانحيازات المتصلة بالعرق والطائفة والعشيرة والقبيلة وما شابه ذلك.
◆ وهل هذا الوضع ينطبق على وقت الأزمات؟ أم أن الاصطفاف خلف القيادة الوطنية يكون قمة الانخراط في القضايا المجتمعية؟
¶ عند النظر إلى الأزمات، فمن المهم جداً أن يمارس المثقف دوره الحقيقي، وأن يكون له مبدأٌ ينطلق منه في تحديد الأولويات. فثمة قضايا يصعب تجاوزها في خضم هذه التحولات، الأمر الذي يفرض علينا السعي إلى البحث عن وعيٍ يتصل برؤيةٍ تقوم على قدرٍ من التوافق، بحيث تلتقي الشعوب والقيادات في موقفٍ واحد لمواجهة تلك الأزمات. وربما يكون دور المثقف هنا أقرب إلى توسيع أفق الوعي العام وإضاءة مناطق الالتباس، بما يسهم في إعادة ترتيب الأولويات على نحوٍ يخدم المصلحة العامة ويمنح الفعل المعرفي بعده المسؤول.
◆ من وجهة نظرك إلى أي مدى ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في خلق نوع جديد من “المثقفين العضويين”؟ ومن أبرزهم اليوم على الساحة العربية ؟، أم أننا أمام تضخم صوتي بلا عمق معرفي؟
¶ ربما كنت قد أشرتُ سابقاً إلى هذا الأمر؛ فبعض ما يجري في فضاءات التواصل لا يتجاوز كونه استثماراً ظرفياً لما يمكن أن نطلق عليه المزاج الشعبي، إذ لا يتصل في كثيرٍ من الأحيان بأي مشروعٍ معرفي حقيقي. فهذه الظواهر الصوتية، في الغالب، تميل إلى الاستهلاك والتذكير العابر، ولا تقوم على تتبعٍ معرفي أو بناءٍ فكري متماسك. ولذلك فإنها قد تعمل أحياناً وفق مقاييس تتصل بالمزاج العام، وفي بعض الأحيان قد تنتهي إلى ممارسة دورٍ أقرب إلى التضليل.