

رغم اتساع رقعة الحضور العربي في كأس العالم 2026 بمشاركة ثمانية منتخبات من قارتي آسيا وأفريقيا، فإن الجولة الأولى انتهت بحصيلة متواضعة على مستوى النتائج، بعدما غاب الانتصار عن جميع المنتخبات العربية، واكتفت أربعة منها بالتعادل، فيما تلقت المنتخبات الأربعة الأخرى خسائر متفاوتة في حجمها وتأثيرها.
هذه المشاركة العربية القياسية تعكس التطور الكمي لكرة القدم العربية، لكنها في الوقت ذاته تفرض تساؤلات مشروعة حول القدرة على ترجمة هذا الحضور إلى إنجازات فنية ونتائج ملموسة على أرض الملعب.
حصيلة الجولة الأولى جاءت متوازنة بين عرب آسيا وأفريقيا؛ إذ حقق كل طرف تعادلين وخسارتين، في مشهد يؤكد أن التحديات متشابهة، وأن الفجوة مع كبار المنتخبات العالمية ما زالت قائمة، وإن كانت تتقلص تدريجياً.
وعلى الرغم من غياب الانتصارات، فإن تعادلات قطر والمغرب ومصر والسعودية يمكن وصفها بأنها “بطعم الانتصار”، نظراً لقيمة المنافسين. فقد نجح العنابي في انتزاع أول نقطة في تاريخه بالمونديال بتعادله مع سويسرا، فيما فرض المغرب التعادل على البرازيل، وعادت مصر بنقطة ثمينة أمام بلجيكا، وخرجت السعودية بنتيجة إيجابية أمام أوروغواي.اللافت أن معظم هذه المنتخبات لم تكتفِ بالدفاع، بل أظهرت شخصية فنية واضحة وقدرة على مجاراة منتخبات عريقة، وهو مؤشر إيجابي يعكس تطوراً في الفكر التكتيكي والثقة بالنفس.في المقابل، كشفت الهزائم العربية عن أخطاء متكررة، أبرزها ضعف التركيز الدفاعي، وعدم القدرة على إدارة المباريات في اللحظات الحاسمة، إلى جانب محدودية الحلول الهجومية لدى بعض المنتخبات.
خسارة الأردن أمام النمسا بنتيجة 3-1 قدمت نموذجاً واضحاً لهذا الأمر. فرغم أن النشامى يخوضون مشاركتهم المونديالية الأولى، ونجحوا في العودة إلى المباراة بهدف رائع سجله علي علوان، فإن الأخطاء الدفاعية والارتباك في الدقائق الأخيرة أهديا المنافس هدفين حاسمين، ليخرج المنتخب الأردني بخسارة قاسية قياساً بمجريات اللقاء.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال الروح القتالية والشخصية الهجومية التي أظهرها المنتخب الأردني، ما يمنحه فرصة حقيقية للعودة إذا نجح جهازه الفني في معالجة الأخطاء الدفاعية قبل مواجهتي الجزائر والأرجنتين.
أما خسارة الجزائر أمام الأرجنتين بثلاثية نظيفة فتبدو منطقية أمام حامل اللقب بقيادة الأسطورة ليونيل ميسي، كما أن سقوط العراق أمام النرويج برباعية جاء أمام منتخب يملك قوة هجومية كبيرة يقودها إيرلينغ هالاند.
الاستثناء الأبرز كان المنتخب التونسي، الذي تلقى خسارة ثقيلة أمام السويد بخمسة أهداف مقابل هدف، في نتيجة عكست خللاً فنياً واضحاً وأدت سريعاً إلى إقالة المدرب صبري لموشي وتعيين الفرنسي هيرفي رينارد، ليكون أول تغيير فني في البطولة.
الجولة الثانية ستكون مفصلية للمنتخبات العربية، إذ قد تحدد بشكل كبير ملامح المتأهلين إلى الدور المقبل. فكل نقطة باتت تساوي الكثير، وكل خطأ قد يكون ثمنه الخروج المبكر.
وإذا كانت الجولة الأولى قد أثبتت أن المنتخبات العربية قادرة على مقارعة الكبار، فإن التحدي الحقيقي في الجولات المقبلة يتمثل في تحويل الأداء الجيد إلى نتائج، وتفادي الأخطاء الفردية التي كلفت العرب كثيراً في بداية المشوار.
الكرة العربية تملك الموهبة والطموح، لكنها تحتاج إلى مزيد من النضج التكتيكي والصلابة الذهنية حتى تنتقل من مرحلة المشاركة المشرفة إلى مرحلة المنافسة الحقيقية.