د. عبدالرحمن الكواري لـ «العرب» (2-2): «ابن سينا الآخر».. الحكاية والشخصيات قادتني إلى الفلسفة لا العكس

alarab
المزيد 17 يونيو 2026 , 01:23ص
محمد عابد

 

في الجزء الأول من هذا الحوار المنشور عدد الأحد الماضي 14 يونيو الجاري، كشف سعادة الكاتب الدكتور عبدالرحمن بن سالم الكواري عن ملامح مشروعه الروائي الجديد «ابن سينا الآخر.. سر الكهف»، متوقفًا عند أسباب اختياره شخصية ابن سينا محورًا لثلاثية روائية تستلهم أسئلة المعرفة والهوية والحقيقة. كما تحدث عن العلاقة بين التاريخ والتخييل في العمل، ورمزية المتاهة والكهف والمخطوطة والعوالم الموازية، مؤكدًا أن الرواية لا تقدم إجابات نهائية بقدر ما تدعو القارئ إلى مواصلة البحث والتأمل.
وفي الحلقة الثانية والأخيرة، يواصل الدكتور الكواري حديثه عن الأبعاد الفكرية والفلسفية للرواية، وكيفية الموازنة بين التشويق والعمق المعرفي، كما يتناول المرجعيات التي استلهم منها عالم «ابن سينا الآخر»، ورؤيته لمستقبل الثلاثية، وعلاقته بالقارئ، والأسئلة التي قادته إليها تجربة الكتابة نفسها. وإلى التفاصيل:
◆يحضر سؤال الهوية في الرواية إلى جانب سؤال المعرفة؛ فما حدود العلاقة بين معرفة الذات ومعرفة الحقيقة؟ وهل يقود إدراك الإنسان لذاته إلى الاقتراب من الحقيقة؟ ثم ما الحقيقة التي تنشدها الرواية في جوهرها؟
¶ أعتقد أن معرفة الذات هي الخطوة الأولى نحو فهم أي حقيقة أخرى. فالإنسان كثيرًا ما ينشغل بالبحث عن أسرار العالم بينما يجهل دوافعه ومخاوفه ونقاط ضعفه وقوته. في الرواية، لا يقتصر البحث على أسرار الكهف أو المخطوطة، بل يمتد إلى محاولة فهم النفس البشرية. فكل شخصية تواجه نفسها بطريقة أو بأخرى، وتكتشف أن أصعب الأسئلة ليست دائمًا تلك التي يطرحها العالم علينا، بل تلك التي نطرحها نحن على أنفسنا.
أما الحقيقة التي تنشدها الرواية فلا تتمثل في إجابة واحدة أو فكرة نهائية، بل في رحلة البحث نفسها. فالحقيقة في نظري ليست كنزًا نعثر عليه فجأة، وإنما وعيٌ يتشكل كلما عرف الإنسان نفسه أكثر، وفهم العالم من حوله بصورة أعمق.
لذلك يمكن القول إن الرواية لا تدعو القارئ إلى امتلاك الحقيقة بقدر ما تدعوه إلى السعي إليها، وإلى الاحتفاظ بفضوله وأسئلته وقدرته على التأمل.

التشويق والعمق الفلسفي
◆ كيف نجحت في الموازنة بين التشويق والمغامرة من جهة، والعمق الفلسفي والفكري من جهة أخرى؟
¶ كنت حريصًا منذ البداية على أن تبقى الحكاية هي القاطرة التي تقود الرواية. فالقارئ يدخل إلى العمل من بوابة الأحداث والشخصيات والمغامرة، وليس من بوابة الأفكار المجردة. لذلك حاولت أن أجعل الأسئلة الفكرية تنبع من المواقف التي يمر بها الأبطال، لا أن تُفرض عليهم من الخارج.
أؤمن أن الرواية ليست كتابًا في الفلسفة، لكنها تستطيع أن تطرح أسئلة فلسفية بطريقة ممتعة. فإذا تابع القارئ المغامرة واستمتع بها، ثم وجد نفسه يفكر في بعض الأسئلة بعد إغلاق الكتاب، فأعتقد أن الرواية تكون قد حققت جزءًا مهمًا من رسالتها.

◆ هل كتبت الرواية انطلاقًا من فكرة فلسفية تبحث عن شكلها السردي، أم من حكاية روائية قادتك إلى الأسئلة الفلسفية؟
¶ في الحقيقة بدأت الرواية من الحكاية. كانت هناك مغامرة وشخصيات وأحداث أردت أن أرويها، لكن كلما تقدمت في الكتابة بدأت الأسئلة الكبرى تظهر من تلقاء نفسها: ما حدود المعرفة؟ ما معنى الحقيقة؟ وهل يعرف الإنسان نفسه حقًا؟
لذلك أستطيع القول إن الحكاية هي التي قادتني إلى الفلسفة، لا العكس. فالأسئلة الفكرية لم تكن هدفًا مسبقًا بقدر ما كانت نتيجة طبيعية للرحلة التي خاضتها الشخصيات داخل الرواية.

◆ ما أبرز المرجعيات الفكرية أو الفلسفية أو التراثية التي غذّت عالم «ابن سينا الآخر»؟
¶ استفادت الرواية من أكثر من مصدر. هناك التراث العربي والإسلامي بما يحمله من حكايات وأسفار ومخطوطات وشخصيات تاريخية تركت أثرًا كبيرًا في الذاكرة الثقافية. وهناك أيضًا التراث الإنساني الأوسع الذي تناول موضوعات المعرفة والهوية والبحث عن الحقيقة.
لكنني لم أكتب الرواية بوصفها إعادة إنتاج لمرجعية معينة، بل حاولت أن أستفيد من هذه الروافد المختلفة في بناء عالم روائي خاص بهويته وأسلوبه. وفي النهاية، كان هدفي أن أقدم عملاً يحترم عقل القارئ، ويمنحه مساحة للتأمل، دون أن يفقد متعة الحكاية والمغامرة.

◆ اخترت أن يكون العمل ثلاثية روائية؛ ما الذي أتاحته لك هذه الصيغة السردية، وما الذي ينتظر القارئ في الجزأين المقبلين؟
¶ منذ البداية شعرت أن عالم الرواية وأفكارها وشخصياتها يحتاج إلى مساحة أوسع من كتاب واحد، لذلك جاءت فكرة الثلاثية. فقد أتاحت لي هذه الصيغة التوسع في بناء العالم الروائي، ومنح الشخصيات فرصة أكبر للنمو والتطور عبر مسار زمني أطول.
ومع ذلك، كنت حريصًا على أن يكون الجزء الأول عملًا قائمًا بذاته، لا مجرد تمهيد لما سيأتي بعده. لذلك انتهى «ابن سينا الآخر؛ سر الكهف» بنهاية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تمنح القارئ شعورًا باكتمال الحكاية الأساسية وإمكانية قراءتها بوصفها رواية مستقلة.
منذ البداية شعرت أن عالم الرواية وأفكارها وشخصياتها يحتاج إلى مساحة أوسع من كتاب واحد، لذلك جاءت فكرة الثلاثية. فقد أتاحت لي هذه الصيغة التوسع في بناء العالم الروائي، ومنح الشخصيات فرصة أكبر للنمو والتطور عبر مسار زمني أطول.
ومع ذلك، كنت حريصًا على أن يكون الجزء الأول عملًا قائمًا بذاته، لا مجرد تمهيد لما سيأتي بعده. لذلك انتهى «ابن سينا الآخر؛ سر الكهف» بنهاية مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تمنح القارئ شعورًا باكتمال الحكاية الأساسية وإمكانية قراءتها بوصفها رواية مستقلة.
أما الجزآن المقبلان فلن يكونا مجرد استكمال للأحداث، بل توسعًا في العالم الذي بدأت ملامحه في الجزء الأول، وكشفًا لأسئلة وأسرار جديدة تنبثق من تلك النهاية المفتوحة؛ فالقارئ الذي يكتفي بالجزء الأول سيجد قصة متكاملة، أما من يواصل الرحلة فسيكتشف آفاقًا أخرى لم تكن ظاهرة من البداية.

المتعة السردية
◆ هل تراهن في هذه الرواية على القارئ الباحث عن المتعة السردية أم القارئ المنشغل بأسئلة الفكر والمعرفة؟
¶ أراهن على القارئ الذي يحب الحكاية الجيدة أولًا. فالمتعة السردية هي الباب الذي يدخل منه القارئ إلى أي رواية. لكنني أؤمن أيضًا أن القارئ يستمتع حين يجد خلف الأحداث أسئلة وأفكارًا تمنحه فرصة للتأمل.
لذلك لا أرى تعارضًا بين الأمرين. فمن أراد متابعة المغامرة سيجدها، ومن أراد التوقف عند بعض الأسئلة الفكرية سيجدها أيضًا. وأتمنى أن تمنح الرواية كل قارئ ما يبحث عنه بطريقته الخاصة.

◆ هل اخترت ابن سينا لأنه فيلسوف وطبيب، أم لأنه رمز للعقل الذي لا يتوقف عن طرح الأسئلة؟
¶ السببان حاضران معًا، لكن الجانب الأهم بالنسبة لي هو أن ابن سينا يمثل العقل الباحث والساعي إلى الفهم. فصورته في الذاكرة الإنسانية لا ترتبط بالطب أو الفلسفة فقط، بل ترتبط أيضًا بالشغف بالمعرفة وعدم التوقف عند الإجابات الجاهزة. وقد وجدت في هذه الشخصية التاريخية مساحة مناسبة لطرح أسئلة الرواية حول المعرفة والحقيقة والهوية، لأن ابن سينا في النهاية ليس مجرد شخصية تاريخية، بل رمز للإنسان الذي يواصل البحث مهما ظن أنه اقترب من الجواب.

◆ عندما انتهيت من كتابة «ابن سينا الآخر؛ سر الكهف»، هل شعرت أنك اقتربت من الحقيقة التي كنت تبحث عنها، أم أن الرواية قادتك إلى متاهات وأسئلة جديدة؟
¶ أعتقد أن كل رواية تمنح كاتبها بعض الإجابات، لكنها تفتح أمامه أسئلة جديدة في الوقت نفسه. وهذا ما حدث معي. فعندما انتهيت من الجزء الأول شعرت أنني أصبحت أكثر قربًا من بعض الأفكار التي كنت أفكر فيها، لكنني اكتشفت أيضًا أن الطريق ما زال طويلًا.
وربما كانت هذه هي أجمل مفارقات الكتابة؛ فكلما ظن الكاتب أنه وصل إلى نهاية الرحلة، وجد نفسه أمام بداية جديدة. لذلك لم أشعر أن الرواية أغلقت باب الأسئلة، بل على العكس، فتحت أبوابًا أخرى، وهذا ما يجعلني متحمسًا لمواصلة الرحلة في الجزأين القادمين.