

الرواية ليست سيرة ذاتية.. ولا إعادة كتابة للتاريخ
لا أخشى تأويل القارئ.. ومن حقه فهم العمل بطريقته
لا أطرح موقفًا معاديًا للمعرفة.. بل أحتفي بها وأعتبرها من أعظم ما يميز الإنسان
الرسالة الأهم في الرواية: البحث عن الحقيقة رحلة مستمرة
يواصل سعادة الكاتب الدكتور عبدالرحمن بن سالم الكواري وزير الصحة الأسبق، مشروعه الروائي عبر عمله الجديد «ابن سينا الآخر.. سر الكهف»، مقدماً تجربة سردية تجمع بين المغامرة والتأمل الفكري، وتستلهم شخصية ابن سينا بوصفها رمزاً للعقل الإنساني الساعي إلى المعرفة واكتشاف الحقيقة.
وبعد تجربتيه الروائيتين «سميدرا» و«مملكة بلهمبار»، ينفتح الكاتب الدكتور عبدالرحمن الكواري في عمله الجديد على أسئلة أكثر عمقاً تتصل بالهوية والوعي وحدود المعرفة، في عالم روائي تتقاطع فيه المخطوطات الغامضة والكهوف والعوالم الموازية.
وفي الجزء الأول من هذا الحوار مع «العرب»، يتحدث الدكتور الكواري عن دوافع اختيار ابن سينا محوراً لثلاثيته الجديدة، وعن العلاقة بين التاريخ والتخييل في الرواية، ورمزية المتاهة والكهف والمخطوطة، كما يكشف رؤيته للمعرفة بوصفها رحلة لا تنتهي، ويتوقف عند أبرز المرجعيات الفكرية التي غذّت العمل. وإلى تفاصيل الحوار:
◆ بعد روايتي «سميدرا» و«مملكة بلهمبار»، ما الذي يمثله مشروع «ابن سينا الآخر» في مسيرتك الروائية؟ وهل يعد امتدادًا لتجاربك السابقة أم مرحلة مختلفة عنها؟
¶ أرى أن «ابن سينا الآخر» يجمع بين الأمرين معًا؛ فهو امتداد لبعض الأسئلة التي شغلتني في أعمالي السابقة، مثل العلاقة بين الإنسان والمجهول، وبين الواقع والأسطورة، وبين ما نراه وما نعتقد أنه الحقيقة. لكنه في الوقت نفسه يمثل مرحلة جديدة من حيث البناء الروائي واتساع العالم السردي والانفتاح على أسئلة المعرفة والهوية بصورة أعمق.
في «سميدرا» كان التركيز على الإنسان في مواجهة التحديات، وفي «مملكة بلهمبار» حضرت الأسطورة والتاريخ والذاكرة الجمعية، أما «ابن سينا الآخر» فهو محاولة للغوص في متاهات العقل والبحث عن الحقيقة من خلال مغامرة روائية تجمع بين التاريخ والخيال والفكر.
سر اختيار ابن سينا
◆ لماذا اخترت ابن سينا تحديدًا ليكون محور هذه الثلاثية؟ وما المقصود بعنوان الرواية «ابن سينا الآخر»؟
¶ اخترت ابن سينا لأنه أحد أبرز الرموز الحضارية في تاريخنا، ولأنه يجمع بين الطب والفلسفة والعلم، لكنه بالنسبة لي لم يكن مجرد شخصية تاريخية، بل رمزًا للعقل الإنساني الذي لا يتوقف عن طرح الأسئلة.
أما المقصود بـ«ابن سينا الآخر» فليس ابن سينا الذي نعرفه من كتب التاريخ، بل صورة روائية متخيلة تتيح لي استكشاف احتمالات أخرى للشخصية وللأسئلة التي يمكن أن تواجهها. فـ«الآخر» هنا ليس شخصًا مختلفًا بقدر ما هو بابٌ إلى عالم مختلف من الاحتمالات والتأويلات والمغامرات.
◆ إلى أي مدى استندت إلى شخصية ابن سينا التاريخية، وأين يبدأ التخييل الروائي في العمل؟
¶ استندت إلى ابن سينا التاريخي بوصفه نقطة انطلاق، مستفيدًا من مكانته العلمية والفكرية ومن حضوره في الذاكرة الثقافية العربية والإسلامية. لكن الرواية ليست سيرة ذاتية ولا إعادة كتابة للتاريخ.
فمنذ الصفحات الأولى يبدأ التخييل الروائي في بناء عالمه الخاص، حيث تتحرك الشخصية داخل أحداث ومواقف وعوالم لا تنتمي إلى السجل التاريخي بقدر ما تنتمي إلى الخيال الروائي. وقد كان هدفي أن أحافظ على روح الشخصية بوصفها رمزًا للبحث والمعرفة، مع منح الرواية كامل حريتها في الابتكار والتخييل.
◆ تطرح الرواية سؤالًا محوريًا: هل تقود المعرفة دائمًا إلى الحقيقة أم قد تكون بداية الضياع؟
¶ أليست كل معرفة، حتى وإن كانت جزئية أو ناقصة، لبنة في بناء الحقيقة؟ وكيف يمكن أن تتحول المعرفة من أداة للاهتداء إلى سبب للتيه؟
أعتقد أن المعرفة في أصلها طريق إلى الفهم، وكل معرفة صادقة تضيف شيئًا إلى بناء الحقيقة، لكن المشكلة لا تكمن في المعرفة نفسها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها.
فالإنسان قد يظن أحيانًا أنه امتلك الحقيقة كاملة لمجرد أنه امتلك جزءًا منها، وهنا يبدأ التيه؛ وقد تتحول المعرفة إلى سبب للضياع عندما تولّد الغرور أو تدفع صاحبها إلى تجاهل حدود ما يعرفه وما يجهله.
لذلك لا أطرح في الرواية موقفًا معاديًا للمعرفة، بل على العكس، أحتفي بها وأعتبرها من أعظم ما يميز الإنسان. لكنني أطرح سؤالًا مكمّلًا لها: هل تقترن المعرفة بالحكمة والتواضع والقدرة على مراجعة الذات؟
فكلما اتسعت معرفة الإنسان أدرك أن العالم أوسع مما يتصور، وأن الحقيقة أكبر من أن يحيط بها فرد واحد أو فكرة واحدة. وربما كانت هذه هي الرسالة الأهم في الرواية: أن البحث عن الحقيقة رحلة مستمرة، وأن المعرفة الحقيقية لا تغلق الأسئلة، بل تفتح أبوابًا جديدة للفهم.
فلسفة المتاهة
◆ تبدو المتاهة التي أشرت إليها في روايتك أحد أهم رموز الرواية؛ هل هي مكان تدور فيه الأحداث أم استعارة لرحلة الإنسان في البحث عن الحقيقة؟ وما الفلسفة التي تطرحها ؟
¶ المتاهة في الرواية هي الأمران معًا؛ فهي مكان حقيقي تجري فيه الأحداث، لكنها في الوقت نفسه رمزٌ لمسيرة الإنسان في الحياة؛ فكل واحد منا يدخل متاهات مختلفة: متاهة المعرفة، ومتاهة الشك، ومتاهة الخوف، ومتاهة البحث عن الذات.
الفكرة التي أردت طرحها ليست فلسفة معقدة، بل سؤال بسيط يواجهه كل إنسان: هل يكفي أن نعرف الكثير حتى نصل إلى الحقيقة؟ أم أن بعض الحقائق تحتاج إلى حكمة وتواضع بقدر ما تحتاج إلى معرفة؟
لذلك لم تكن المتاهة مجرد ممرات وجدران، بل كانت اختبارًا للشخصيات ولأفكارها وقناعاتها، ومحاولة للإجابة عن سؤال قديم متجدد: كيف يعرف الإنسان نفسه قبل أن يحاول فهم العالم من حوله؟
◆ قلت في تغريدات حول الرواية إن الخروج من ¶ المتاهة هو خروج من الجهل أكثر منه خروجًا من الممرات، فهل يمكن اعتبار الرواية رحلة معرفية وفلسفية قبل أن تكون مغامرة سردية؟ وهل دفعتك رمزية المتاهة إلى تقديم تلك الإضاءة خشية التأويلات البعيدة؟
أعتقد أن الرواية تجمع بين الأمرين؛ فهي مغامرة سردية مليئة بالأحداث والتشويق، لكنها في الوقت نفسه رحلة في عالم الأفكار والأسئلة. وقد حرصت على ألا تتحول الفلسفة إلى عبء على القارئ، بل أن تنمو من داخل الحكاية نفسها.
أما الإضاءة التي ذكرتها، فلم تكن خوفًا من التأويل بقدر ما كانت مفتاحًا إضافيًا للقارئ. فأنا أؤمن أن لكل قارئ حقه في فهم العمل من زاويته الخاصة، لكنني أردت أن ألفت الانتباه إلى أن المتاهة في الرواية ليست مجرد مكان يُغادره الأبطال في النهاية، بل تجربة تغيّرهم من الداخل.
فحين يخرج الإنسان من الوهم إلى المعرفة، ومن الخوف إلى الفهم، ومن الأسئلة السطحية إلى الأسئلة الأعمق، يكون قد خرج من متاهة أكبر من أي ممرات أدران.
الـكهف يمثل المجهول
◆ ما الدلالات الفكرية والفلسفية للكهف والمخطوطة الغامضة والعوالم الموازية التي تحضر بقوة في الجزء الأول؟
¶ حرصتُ على أن تكون هذه العناصر جزءًا من الحكاية أولًا، ثم تحمل دلالاتها الرمزية لمن يرغب في التعمق فيها. فالـكهف يمثل المجهول الذي يدفع الإنسان إلى المغامرة والاكتشاف، وهو المكان الذي يواجه فيه الإنسان أسئلته ومخاوفه أكثر مما يواجه الآخرين. أما المخطوطة الغامضة فهي رمز للمعرفة؛ تلك المعرفة التي قد تفتح أبوابًا جديدة للفهم، لكنها قد تضع صاحبها أمام أسئلة أكبر مما كان يتوقع. أما العوالم الموازية فقد استخدمتها لأطرح فكرة بسيطة: ماذا لو كانت هناك احتمالات أخرى لحياتنا وقراراتنا؟ ماذا لو سلكنا طريقًا مختلفًا؟ إنها وسيلة سردية للتأمل في الخيارات التي يصنعها الإنسان وكيف يمكن أن تغيّر مصيره. وفي النهاية، لا تتحدث هذه الرموز عن أماكن وأشياء بقدر ما تتحدث عن الإنسان نفسه: فضوله، وأسئلته، ورغبته الدائمة في اكتشاف ما يجهله.