نجاح كبير للمسلسل.. المؤلف د. خالد الجبر لـ «العرب»: «أبطال الرمال» قراءة إنسانية للجاهلية بين الحرية والطبقية ومكانة المرأة

alarab
المزيد 08 مارس 2026 , 01:25ص
محمد عابد

اختتمت المؤسسة القطرية للإعلام وتلفزيون قطر، عرض المسلسل التاريخي «أبطال الرمال»، الذي يعد أحد أضخم الإنتاجات الدرامية العربية، وشارك فيه أكثر من 70 ممثلا من قطر ودول الخليج والمشرق والمغرب العربي. والمسلسل من إخراج سامر جبر، وتأليف الدكتور خالد عبد الرؤوف الجبر وسامر جبر، حيث عرضت الحلقات الخمس عشرة على شاشة تلفزيون قطر وعدد من المنصات والقنوات العربية في رمضان الجاري، وذلك إسهاما من قطر في إغناء الدراما العربية بالأعمال الهادفة التي تربطهم بتاريخهم ووجدانهم.

ويعد «أبطال الرمال» عملا ملحميا يعيد تقديم جذور البطولة والحرية والكرامة في التراث العربي، برؤية معاصرة توحد ثلاث خماسيات في لوحة درامية واحدة، إذ تستلهم الخماسية الأولى قصة «الخنساء وصخر «، أما الثانية، فعالجت موضوع ثورة الحرية بقيادة الشنفرى، وتسرد واحدة من أشد صفحات التاريخ العربي حرارة وتوترا هي قصة الشنفرى الأزدي رمز التمرد والعدالة..
وتتبعت الخماسية الثالثة حكاية «زبيبة.. أم الفارس الأسود» عنترة باعتبارها أكثر القصص تأثيرا في الموروث العربي فهي المرأة التي عاشت العبودية وقسوة المصير، لكنها أنجبت أعظم فرسان العرب عنترة بن شداد.


 
أحكام نمطية جاهزة
ومع إسدال الستار على مسلسل أبطال الرمال، أكد مؤلف العمل الدكتور خالد عبد الرؤوف الجبر في تصريحات خاصة لـ «العرب» أن المسلسل يتجاوز الإطار الدرامي إلى مساءلة مرحلة تاريخية طالما أُحيطت بأحكام نمطية جاهزة. فالجاهلية - كما يراها الجبر- لم تكن ظلاماً مطبقاً، ولم تكن حياةً واحدةً بنمط واحد، بل كانت عالماً مركباً من الحيوات والبيئات والتحولات، سبق الإسلام بخمسة أو ستة عقود، وكان معاصراً لميلاد النبي صلى الله عليه وسلم وممهداً لتحولات كبرى في البنية القيمية والاجتماعية.
وقال: إن الدراما التاريخية لا يمكن أن تكون سرداً للوقائع، وإلا تحولت إلى كتابة تاريخية توثيقية. فهي، في جوهرها، معالجة إبداعية تمزج بين الواقعة التاريخية و«التخييل» الذي يملأ فراغات السرد، ليصوغ عملاً فنياً منسجماً. ومن هنا جاءت خماسيات الخنساء، الشنفرى، وزُبيبة وعنترة، بوصفها قراءة إنسانية للتاريخ، تستنطق الماضي من داخل أسئلة الحاضر، وتبحث في قضايا الحرية والهوية والطبقية.
وأوضح المؤلف أنه لا يقصد بالرواية التاريخية «الفانتازيا»، وإنما الرواية التي تنطلق من أحداث تاريخية مسجلة، سواء كانت تلك الوقائع حقائق ثابتة أو مما سُرد في كتب التاريخ، مع ضرورة التفريق بين الأمرين. 
وبيّن أن الأحداث التاريخية لا تظهر متصلة بشكل كامل في العمل الفني، سواء في الرواية أو الدراما، لذلك يحتاج الكاتب إلى “ملء الفراغات” التي لا تسدها الوقائع التاريخية المتسلسلة. ومن هنا يأتي دور الخيال، الذي لا ينفصل عن الواقع التاريخي، بل ينسجم معه عبر ما وصفه بـ “التخييل”، وهو الأداة التي تمزج الواقعي التاريخي بالخيال، لينتج عملا فنيا دراميا منسجما. وأشار الدكتور خالد الجبر إلى أن الخمساسيات الثلاث قرأت التاريخ والأحداث المسجلة بهذا الحس، مؤكداً أنه اشتغل على كل شخصية اشتغالاً بحثياً عميقاً. 

«زُريبة: الجَدّ مجد»
ولفت إلى أنه قبل نحو عشرين عاماً أصدر كتاب “شرح شعر الشنفرى الأزدي لمحاسن بن يوسف بن إسماعيل الحلبي”، والذي يُنسب أيضاً إلى أبي فيب مؤرج السدوسي، وقيل إلى غيره. كما أصدر كتاباً بالمشاركة بعنوان “شعرية الحق وجدلية الحياة والموت في شعر الخنساء”، إضافة إلى بحث منشور في مجلة “الأبحاث” في الجامعة الأمريكية في بيروت حول “الغُراب في شعر عنترة”.
وأكد أنه قرأ الوقائع التاريخية المتعلقة بهذه الشخصيات من جميع المصادر والمراجع، مستحضراً شخصية الشنفرى الأزدي في “الصعلوكية”، وشخصية الخنساء، وشخصية عنترة وأمه زُريبة في المعالجة الرومانسية الأخيرة.
وأوضح الجبر أنه سبق أن استلهم سيرة زُريبة في رواية بعنوان “زُريبة: الجَدّ مجد”، تناول فيها حياتها في الحبشة، في قريتها “أنكسو” في مملكة أكسوم، ثم رحلتها مع أبيها أبرزاير بن كالد إلى اليمن، وما تعرضت له من سبي واختطاف وصولاً إلى بني عبس.
وشدد على أن كل ما ليس إنسانياً يزول وتزول آثاره، مؤكداً أن المعالجة الدرامية لا تكون معالجة مجردة، بل إنسانية تعكس حياة البشر في ظروفهم، بقسوتها وطبيعتها وأفراحها وأحزانها وآلامها. 
وأضاف أن إغفال هذا البعد الإنساني يحول الشخصيات إلى نماذج كاريكاتيرية شبه خيالية، كما يحدث في بعض صور السيرة الشعبية.
وبيّن أن المعالجة الدرامية للتاريخ هي بالضرورة قراءة إنسانية معاصرة، لأنها تستكشف في الماضي ما يوازي الحاضر أو يتقاطع معه أو يتناظر معه، دون إسقاط مباشر أو قراءة حرفية. وأكد أنه لا يمكن قراءة الماضي بمعزل عن اللحظة الراهنة، وأن أي قراءة لا تقدم هذا البعد الإنساني المعاصر تبقى قراءة ناقصة ومنفصلة.

جاهلية متعددة… لا صورة واحدة
 وأكد الكاتب الدكتور خالد الجبر رفضه القراءة الشائعة التي تختزل العصر الجاهلي في صورة «الجاهلية التامة» دينياً وأخلاقياً. فهي لم تكن فراغاً قيمياً، بل كانت مرحلة اشتباك بين نظام قبلي واقتصاد ربوي، أفضى إلى اختلالات طبقية عميقة، حتى شاعت تسميات السادة والعبيد، منوها بأن هذا الظلم البنيوي كان يمهد لظهور رسالة جديدة تمحو الاستضعاف وتعيد التوازن القيمي.
وأضاف في هذا السياق، جاءت معالجة الصعاليك بوصفهم تمرداً اجتماعياً مبكراً، لا حركة أيديولوجية بالمعنى الحديث، بل خروجاً على الظلم والاضطهاد. ففي العصر الجاهلي كانت الصعلكة خروجاً مسلحاً على القبيلة واقتصادها، بينما تحولت في العصر الأموي إلى سلوك أقرب إلى اللصوصية الفردية، ثم اتصلت في العصر العباسي بمفهوم «الكدية» الذي مهّد لظهور فن المقامات.
ويشير الجبر إلى أن فكرة الصعلكة ليست عربية خالصة، بل تمتد إلى ثقافات أخرى، كما في شخصية «روبن هود»، أي نموذج القوي الذي يسعى لاسترداد حقوق الضعفاء في مجتمع مختل. غير أن التركيز في العمل كان على الشنفرى، بوصف قصته الأكثر مأساوية وتجسيداً للرفض الفردي العنيف الناتج عن جرح اجتماعي عميق.
ويربط الجبر بين الظاهرة التاريخية وسياقات معاصرة، معتبراً أن سحق الطبقة الوسطى واحتكار الثروة يؤديان دائماً إلى ظهور أشكال من التمرد، سواء اتخذت صورة احتيال أو تطرف أو خروج مسلح، وهو ما يجعل قراءة الصعلكة قراءة تتجاوز الماضي إلى الحاضر.
 
 المرأة… بين القوة والتأثير
أما فيما يتعلق بمكانة المرأة، فأكد الدكتور خالد الجبر أن الصورة النمطية عن تهميشها المطلق في الجاهلية غير دقيقة. فالمرأة كانت تُنظر إليها بوصفها ركيزة في بناء القبيلة، إذ ارتبطت قيمتها بالخصوبة والقدرة على إنجاب المقاتلين، في مجتمع يقوم على الحروب والدفاع. ومن هنا جاء الاحتفاء الشعري بصفات جسدية تدل على القوة والقدرة الوراثية.
غير أن دور المرأة لم يقتصر على الإنجاب؛ فقد كان لبعض النساء تأثير مباشر في القرار القبلي، وفي دفع الرجال إلى الجود أو إلى الصلح، كما في نماذج الخنساء وهند بنت عتبة وماوية زوجة حاتم الطائي وغيرهن. 
 وشدد الكاتب على أن هدفه لم يكن تبرئة الجاهلية ولا إدانتها بإطلاق، بل تقديم قراءة إنسانية لشخصيات عاشت في زمن التحول، واستكشاف ما في قصصها من أسئلة لا تزال حية: العدالة، الكرامة، الهوية، دور المرأة، وحدود التمرد. فالتاريخ ليس وقائع جامدة، بل حكايات بشر. وإذا فقد العمل بعده الإنساني، تحولت الشخصيات إلى كاريكاتير لا يشبهه.
تجدر الإشارة إلى أن «أبطال الرمال» يشارك في بطولته أكثر من 70 ممثلا من نجوم الوطن العربي، من بينهم سلوم حداد، منذر ريحانة، نضال نجم، فرح بسيسو، محمد الإبراهيمي، عزالعرب كغاط، خالد نجم، أحمد الكعبي، غازي حسين، ياسين أحجام، محمد مفتاح، نجاة الوافي، ناصر عبدالرضا، عدنان مولحية، أدهم مرشد، مريم باكوشس، عبدالنبي البنيوي، ندى هداوي، جواد العلمي، فاتي جمال، يوسف تونزي، حاتم عبدالغفور وسناء موزيان.