في مسلسل «الطريق إلى مكة».. إذاعة قطر تستعرض مسيرة المفكر الغربي محمد أسد

alarab
المزيد 06 مارس 2026 , 01:24ص
محمد عابد

تقدم إذاعة قطر يوميا حاليا، خلال شهر رمضان المبارك مسلسل «الطريق إلى مكة»، يستعرض المسلسل الذي يعرض في العاشرة و45 دقيقة، سيرة الداعية الإسلامي الشهير محمد أسد ذلك الشاب الألماني من أصول يهودية الذي عمل في عدد من المدن الإسلامية في أواسط عشرينيات القرن الماضي وهناك تعرف على الإسلام  واعتنقه ثم ذهب إلى مكة وعاش فيها لسنوات عديدة وعاصر عددا من الأحداث والشخصيات المؤثرة وكان داعيا إلى الإسلام في الغرب والشرق له إسهامات كبرى.
 المسلسل كتبه أحمد درويش، وأخرجه أحمد فراج

تجربة فكرية وروحية
ويمثل المفكر والداعية الإسلامي محمد أسد واحدًا من أبرز الجسور الفكرية التي ربطت بين الحضارة الإسلامية والغرب في القرن العشرين. فقد جاءت تجربته الفكرية والروحية نتيجة رحلة طويلة من البحث والتأمل قادته من أوروبا إلى قلب العالم الإسلامي، ليصبح أحد أهم الكُتّاب الذين قدّموا الإسلام بلغة عقلانية معاصرة موجهة إلى القارئ الغربي.
وُلد محمد أسد عام 1900 باسم ليوبولد فايس في مدينة لفيف التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية. نشأ في أسرة يهودية متدينة، وتلقى تعليمًا دينيًا تقليديًا في طفولته، كما درس الفلسفة وتاريخ الفن في فيينا. غير أن شغفه بالصحافة والسفر قاده في مطلع عشرينيات القرن الماضي إلى الشرق الأوسط مراسلًا صحفيًا، وهي الرحلة التي ستغير مسار حياته بالكامل.
وخلال إقامته في فلسطين وبلاد الشام والجزيرة العربية، بدأ فايس يقترب أكثر من المجتمع الإسلامي وثقافته.
ثم زار القاهرة فالتقى بالإمام مصطفى المراغي، فحاوره حول الأديان، فانتهى إلى الاعتقاد بأن “الروح والجسد في الإسلام هما بمنزلة وجهين توأمين للحياة الإنسانية التي أبدعها الله” ثم بدأ بتعلم اللغة العربية في أروقة الأزهر، وهو لم يزل بعدُ يهودياً.
 قصتــه مع الإســلام
كان ليوبولد فايس رجل التساؤل والبحث عن الحقيقة، وكان يشعر بالأسى والدهشة لظاهرة الفجوة الكبيرة بين واقع المسلمين المتخلف وبين حقائق دينهم المشعّة، وفي يوم راح يحاور بعض المسلمين منافحاً عن الإسلام، ومحمّلاً المسلمين تبعة تخلفهم عن الشهود الحضاري، لأنهم تخلّفوا عن الإسلام ففاجأه أحد المسلمين الطيبين بهذا التعليق: “فأنت مسلم، ولكنك لا تدري !”.
فضحك فايس قائلاً: “لست مسلماً، ولكنني شاهدت في الإسلام من الجمال ما يجعلني أغضب عندما أرى أتباعه يضيّعونه”!!.
ومع مرور الوقت تحولت هذه الملاحظات إلى قناعة فكرية عميقة، أعلن على إثرها اعتناقه الإسلام في أواخر عشرينيات القرن الماضي، ليحمل اسم محمد أسد الذي سيصبح معروفًا به في العالم الإسلامي.
بعد إسلامه، عاش سنوات طويلة في العالم العربي، وخاصة في الجزيرة العربية، حيث تعرّف على عدد من الشخصيات السياسية والفكرية في تلك المرحلة، واطلع عن قرب على التحولات التي كانت تشهدها المنطقة. وقد انعكست هذه التجربة الغنية في كتاباته التي اتسمت بعمق فكري ومحاولة تفسير الإسلام من منظور حضاري شامل.
وفي المجال الفكري، برز محمد أسد بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى تقديم الإسلام للعالم الحديث بلغة عقلية واضحة، بعيدًا عن الصور النمطية التي كانت شائعة في الغرب. وقد تجلى هذا المشروع الفكري في عدد من مؤلفاته المهمة، من أبرزها كتاب الطريق إلى مكة الذي يُعد سيرة ذاتية فكرية وروحية يروي فيها رحلته إلى الإسلام، وكتاب رسالة القرآن الذي قدّم فيه ترجمة إنجليزية للقرآن الكريم مصحوبة بتفسير وتعليقات فكرية واسعة، إضافة إلى كتاب الإسلام على مفترق الطرق الذي تناول فيه التحديات التي تواجه العالم الإسلامي في العصر الحديث.
ولم يقتصر نشاطه على المجال الفكري فحسب، بل شارك أيضًا في العمل السياسي والدبلوماسي، إذ أسهم في النقاشات الفكرية التي رافقت نشأة دولة باكستان، ثم عمل لاحقًا في السلك الدبلوماسي ممثلًا لها لدى الأمم المتحدة.
وتكمن أهمية تجربة محمد أسد في كونها تجربة فكرية عابرة للثقافات؛ فقد جمع بين التكوين الثقافي الأوروبي العميق والانتماء الإسلامي الذي اختاره عن قناعة فكرية وروحية. ولذلك يُنظر إليه اليوم بوصفه أحد أبرز المفكرين الذين سعوا إلى بناء حوار حضاري بين الشرق والغرب.
توفي محمد أسد عام 1992 في إسبانيا، بعد مسيرة فكرية امتدت لأكثر من ستة عقود ترك خلالها عددًا من المؤلفات التي ما تزال تُقرأ وتُناقش حتى اليوم، بوصفها محاولة جادة لفهم الإسلام في سياق العصر الحديث وتقديمه إلى العالم بلغة الفكر.