

يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ تمر من خلاله صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج وإيران إلى الأسواق العالمية. وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وما رافقها من إعلان إيران رسميًا إغلاق المضيق واستهداف السفن غير الممتثلة لتعليماتها، يواجه الاقتصاد العالمي اختبارًا حقيقيًا يتعلق بأمن الطاقة واستقرار سلاسل الإمداد.
إن إغلاق هذا الشريان البحري الحيوي لا يقتصر تأثيره على دول المنطقة فحسب، بل يمتد ليشمل الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية، ويهدد بحدوث اضطرابات واسعة في تجارة الطاقة والسلع الاستراتيجية. كما يُتوقع أن يؤدي ذلك إلى ارتفاعات حادة في أسعار النفط والغاز، وهو ما أعلنت عنه شبكة بلومبرج أول أمس من ارتفاعات في أسعار الغاز بعد استهداف منصات إنتاج الغاز القطرية وإعلان قطر للطاقة رسميا توقف الإنتاج، كذلك يساهم إغلاق المضيق الحيوي في وزيادة تكاليف الشحن والتأمين البحري، مما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمي وأسعار السلع الأساسية.
ومن خلال هذا التقرير نستعرض الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية لإغلاق مضيق هرمز، واستشراف انعكاساته على التجارة العالمية وسلاسل التوريد، مع تقييم السيناريوهات المحتملة وتداعياتها قصيرة وطويلة المدى على الاقتصاد العالمي.
الأهمية الاستراتيجية
يعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم التي تربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي، ويمر عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميا من النفط الخام والمنتجات، أي قرابة 25% من تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا، كما تعبره قرابة 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، حسب وكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ما يعني أن أي اضطراب في الملاحة يؤثر بشكل مباشر على توازن العرض والطلب في الأسواق العالمية للطاقة، ويثير مخاوف اقتصادية لدى الدول المستوردة للطاقة مثل الصين والهند وأوروبا. كما أن البدائل اللوجستية غير كافية لتعويض هذه الكميات الكبيرة، مما يجعل المضيق عاملًا حاسمًا في أمن الطاقة العالمي.
التأثير على أسعار النفط والغاز
تسبب إعلان إيران إغلاق المضيق ومنع السفن من العبور في ارتفاع حاد بأسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية. فقد شهدت العقود الآجلة للنفط ارتفاعات ملموسة، حيث تجاوز خام برنت مستويات الـ 80 دولارًا للبرميل في ظل توقف الملاحة، بينما توقع خبراء أن استمرار الإغلاق قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى تتجاوز 100 دولار أمريكي. كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي، خصوصًا في أوروبا ووصلت إلى نحو 50%، نتيجة انقطاع تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق وإعلان قطر للطاقة توقف الإنتاج بعد استهداف منصاتها في منطقة راس لفان، كما قفزت أسعار شحن الغاز المسال الفوري نحو 40 % وفق بيانات السوق. وهذا الارتفاع في أسعار الطاقة له أثر مباشر على التضخم العالمي وزيادة تكاليف الإنتاج والنقل.
اضطرابات سلاسل الإمداد والتوريد
أحدث إغلاق مضيق هرمز شللا في حركة الشحن البحري العالمية، حيث أوقفت العديد من ناقلات النفط والغاز عمليات العبور، وأدى إلى ارتفاعات ملحوظة في تكاليف الشحن والتأمين البحري بمقدار الضعف نتيجة ارتفاع معدلات المخاطر. وقفزت أقساط مخاطر الحرب إلى حوالي 1 % من قيمة السفينة بعد أن كانت نحو 0.2 %، بما يعادل مئات الآلاف من الدولارات لكل رحلة. كما أوقفت شركات الشحن الكبرى رحلاتها مؤقتًا بسبب مخاطر الحرب والعمليات العسكرية التي تشهدها المنطقة، مما أثر على تدفق السلع والمنتجات عبر الممرات البحرية، وهو ما ينعكس بدوره على سلاسل التوريد العالمية ويزيد من أعباء الإنتاج والتوزيع خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد بشكل رئيسي والدول المعتمدة على نقل البضائع من الخليج.
التأثير على اقتصادات الخليج
تعتمد دول الخليج بشكل كبير على صادرات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، وبالتالي فإن أي إغلاق له يؤثر على إيراداتها من الطاقة. في حين تتمتع دول مثل السعودية والإمارات ببعض البدائل مثل خطوط الأنابيب التي تتجاوز المضيق، فإن تلك البدائل لا تزال غير كافية لتعويض كافة الصادرات، خصوصًا في حالة استمرار الإغلاق لفترات طويلة، مما يؤثر على ميزانيات تلك الدول ومستويات الاستثمار والإنفاق العام.
وتُعد السعودية أكبر مُصدّر للنفط عبر الممر، لكنها تستطيع تحويل جزء من الشحنات عبر خط أنابيب يمتد 746 ميلا إلى محطة على البحر الأحمر، حيث يمكن تحميل النفط على سفن لمواصلة النقل، وتبلغ طاقة خط الأنابيب «شرق-غرب» 5 ملايين برميل يوميا. وبالمثل تستطيع الإمارات الالتفاف على المضيق إلى حد ما عبر خط أنابيب ينقل النفط من الحقول إلى ميناء على خليج عُمان. وتبلغ طاقة خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» 1.5 مليون برميل يوميا.
ويمتلك العراق خطا يمر عبر تركيا إلى ساحل البحر المتوسط وأُعيد فتحه العام الماضي، لكنه ينقل فقط النفط المنتج في شمال البلاد، لذلك تُشحن تقريبا كل صادراته من ميناء البصرة بحرا وتمر عبر مضيق هرمز.
ولا تملك الكويت وقطر والبحرين خيارا سوى شحن نفطها عبر المضيق. وتعتمد إيران كذلك على المضيق لتصدير نفطها، وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن شحنات الخام الإيراني التي عبرت المضيق في 2025 كانت الأعلى منذ 2018. وعليه يبرز أهمية المضيق كممر استراتيجي لا يمكن استبداله بسهولة على المدى القصير.
السيناريوهات الجيوسياسية المحتملة
أدت التوترات الجيوسياسية التي ضربت المنطقة مؤخرا إلى إغلاق المضيق والتي تشمل تصعيدات عسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومع استمرار هذا الصراع يبرز احتمال تدخلات دولية لحماية الملاحة وفتح المضيق، أو استمرار الاشتباكات لفترات أطول مما يزيد المخاطر على الأمن البحري. في هذه الحالة، يمكن أن تتسع دائرة الأزمة لتشمل أوسع نطاق من الاقتصاد العالمي في ضوء اعتماده على مضيق هرمز في تجارة الطاقة خاصة دول شرق آسيا مثل الصين واليابان والهند وكوريا الجنوبية التي تعتمد على النفط الوارد من الخليج بصورة أساسية في عملياتها الإنتاجية.
الحلول والاستجابات العالمية
في مواجهة تصاعد التوترات وإغلاق مضيق هرمز، تتجه الدول المستوردة للطاقة إلى حزمة متكاملة من الإجراءات قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل. فعلى المدى القصير، يُعد اللجوء إلى الاحتياطيات الاستراتيجية خيارًا رئيسيًا، حيث يمكن للدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية السحب من المخزونات لتهدئة الأسواق والحد من القفزات السعرية. كما قد تلجأ الحكومات إلى تخفيف بعض القيود التنظيمية مؤقتًا لزيادة المعروض المحلي أو تسريع إجراءات الاستيراد.
أما على المدى المتوسط، فتبرز استراتيجيات تنويع مصادر الإمداد عبر توقيع عقود طويلة الأجل مع موردين خارج منطقة الخليج، وزيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وأفريقيا وأستراليا. كذلك يجري تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البديلة التي تتجاوز نقاط الاختناق البحرية، وتعزيز قدرات الموانئ ومحطات التخزين الاستراتيجي لرفع مرونة سلاسل الإمداد.
وعلى الصعيد الأمني، تكثف القوى البحرية الكبرى عمليات حماية الملاحة الدولية ضمن أطر قانونية متعددة الجنسيات لضمان حرية المرور، بالتوازي مع رفع أقساط التأمين وتطبيق بروتوكولات أمنية مشددة على السفن.
أما على المدى الطويل، فتدفع مثل هذه الأزمات نحو تسريع التحول في قطاع الطاقة، وزيادة الاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في القطاعات الصناعية والنقل، بما يقلل من حساسية الاقتصاد العالمي لصدمات الإمداد المستقبلية ويعزز أمن الطاقة العالمي.